السّكران ، ولولا أنّ نار الغضب تخبو قبل إفاقة المعتوه ، وضباب السّكر ينكشف قبل انكشاف غروب عقل المذلّة ، وأنّ حكم الظاعن خلاف حكم المقيم ، وقضيّة المجتاز خلاف قضيّة الماكث ، لكانت حال الغضبان أسوأ مغبّة ، وجهله أوبأ ، على أنّ الحكم له ألزم والنّاس له ألوم .
وما أكثر ما يقحم الغضب المقاحم التي لا يبلغها جناية الجنون ، وفرط جهل المصروع .
فصل منه : وإنّ الغمر لا يكون إلّا عديم الآلة ، منقطع المادّة ، يرى الغيّ رشدا والغلوّ قصدا . فلو كنت إذا جنيت لم تقم على الجناية ، وإذا عزمت على القول لم تخلّده في الكتب ، وإذا خلّدته لم تظهر التبجّح به ، والاستبصار فيه ، كان علاج ذلك أيسر ، وكانت أيّام سقمك أقصر .
فأخزى اللّه التصميم إلّا مع الحزم ، والاعتزام إلّا بعد التثبّت والعلم إلّا مع القريحة المحمودة ، والنّظر إلّا مع استقصاء الرويّة .
وأخلق بمن كان في صفتك ، وأحر بمن جرى على دربك ، ألّا يكون سبب تسرّعه ، وعلّة تشحّنه إلّا من ضيق الصّدر .
وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر . فقد صحّ الآن أنّ سعة الصّدر أصل ، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع .
[ 4 - ينبغي الاحتراز من اصدار الآراء الفطيرة ]
وقد رأيتك - حفظك اللّه - خوّنت جميع الوكلاء وفجّرتهم ، وشنّعت على جميع الورّاقين وظلمتهم ، وجمعت المعلّمين وهجوتهم ، وحفظت مساويهم ، وتناسيت محاسنهم ، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلّة ، حتّى صوّب نفسك عند السّامع لكلامك ، والقارئ كتابك ، أنّك ممن ينكر الحقّ جهلا ،