ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنّفنا منهم ، إلّا لمن أدركنا من أهل زماننا ممّن حصل بمدينة السلام ، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوّة بعد التّوبة ، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة ، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين . فرحم اللّه امرأ أحسن في ذلك أمرنا ، وحذا فيه حذونا ، ولم يعجل إلى ذمّنا ، ودعا بالمغفرة والرحمة لنا .
[ 5 - طريقة تأليف الكتاب ]
وقد تركنا في كلّ باب من الأبواب التي صنّفنا في كتابنا ، فرجا لزيادة إن زادت ، ولاحقة إن لحقت ، أو نابتة إن نبتت . ومن عسى أن ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها ، أو يعجز به القصور عمّا هو عليه منها إلى ما هو دونها ، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها ، ومن لعلّنا نصير إلى ذكره ممن عزب عنّا ذكره ، وأنسينا اسمه ، ولم يحط علمنا به ، فنصيّره في موضعه ، ونلحقه بأصحابه .
وليس لأحد أن يثبت شيئا من هذه الأصناف إلّا بعلمنا ، ولا يستبدّ بأمر فيه دوننا . ويورد ذلك علينا فنمتحنه ، ونعرّفه بما عنده ، ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقّها ، والطّبقة التي يحتملها .
[ 6 - الاحتياط من العيب ]
فلما استتبّ لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيّابين من الجهّال بربّ العالمين ، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفّة أحلامهم إلى نقض كتابنا وتبديله ، وتحريفه عن مواضعه ، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا ، وأن يقول كلّ امرئ منهم في ذلك على حاله ، وبقدر هواه ورأيه ،