تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وصنع كثير من أهل زمانه أغانيّ كثيرة بهاجس طبعهم والاتّباع لمن سبقهم ، فبعض أصاب وجه صوابه ، وبعض أخطأ ، وبعض قصّر في بعض وأحسن في بعض .

[ 4 - طبقات المغنين في عصر الجاحظ ]

ووجدنا لكلّ دهر دولة للمغنّين يحملون الغناء عنهم ، ويطارحون به فتيان زمانهم ، وجواري عصرهم . وكان يكون في كلّ وقت من الأوقات قوم يتنادمون ، ويستحسنون الغناء ، ويميّزون رديّه من جيّده ، وصوابه من خطائه ، ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم ، وروائهم وهيئاتهم ، فلم نجد هذه الطبقة ذكروا . ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقيا . وخصصنا في أيّامنا وزماننا بفتية أشراف ، وخلّان نظاف ، انتظم لهم من آلات الفتوّة وأسباب المروءة ما كان محجوبا عن غيرهم ، معدوما من سواهم ، فحملني الكلف والمودّة لهم والسّرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ذي الأود منهم حتّى يلحق بأهل الكمال في صناعته ، والفضل في معرفته ، على تمييز طبقة [ على ] طبقة منهم ، وتسمية أهل كلّ طبقة بأوصافهم ، وآلاتهم وأدواتهم ، والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم ، واحتملهم إخوانهم عليها . وخلطنا جدّا بهزل ، ومزجنا تقريعا بتعريض ، ولم نرد بأحد ممّن سمّينا سوءا ، ولا تعمّدنا نقدا ولا تجاوزنا حدّا . ولو استعملنا غير الصّدق لفضّلنا قوما وحابينا آخرين . ولم نفعل ذلك ؛ تجنّبا للحيف ، وقصدا للإنصاف . وقد نعلم أنّ كثيرا منهم سيبالغ في الذمّ ، ويحتفل في الشتم ، ويذهب في ذلك غير مذهبنا . وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم ، واللّه حسيب من ظلم ، عليه نتوكل وبه نستعين ، وهو ربّ العرش العظيم .