وفي هذا القول تلميح إلى أن نظام العين يرهق المطالع من أمره عسرا ، ويكلفه من العنت لأجل الوقوف على طلبته ما ذكره أبو العباس أحمد بن ولاد فقال :
« كتاب العين لا يمكن طالب الحرف منه أن يعلم موضعه من الكتاب من غير أن يقرأه إلا أن يكون قد نظر في التصريف ، وعرف الزائد والأصلي ، والمعتل والصحيح ، والثلاثي والرباعي والخماسي ، ومراتب الحروف من الحلق واللسان والشفة ، وتصريف الكلمة على ما يمكن من وجوه تصريفها في اللفظ على وجوه الحركات ، وإلحاقها ما تحتمل من الزائد ومواضع الزوائد بعد تصريفها بلا زيادة ، ويحتاج مع هذا إلى أن يعلم الطريق التي وصل الخليل منها إلى حصر كلام العرب ، فإذا عرف هذه الأشياء عرف ما يطلب من كتاب العين » .
لقد أراد هؤلاء المعجميون أن يدعوا التعسير إلى التيسير ، وتوخوا أن يتركوا العنت إلى التخفيف ، فوفقوا إلى ذلك الترتيب الذي يصفه الزمخشري في خطبة أساسه فيقول :
« يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام ، وحبل الذراع ، من غير أن يحتاج في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع ، وإلى النظر فيما لا يوصل إلا بإعمال الفكر إليه ، وفيما دقق النظر فيه الخليل وسيبويه » .
ولنأخذ الآن في التعريف بما ألف من المعاجم على هذا النظام في الفهرسة التالية :
[ 995 ] كتاب الجيم أو كتاب الحروف أو كتاب اللغات
لأبي عمرو إسحاق بن مرار الشيباني المتوفى سنة 206 ه .
هو أول معجم رتب على الألفباء في المعجمية العربية ، وجاءت تسميته بكتاب الحروف إما لأنه رتبه على الحروف ، وإما لأنه ضمنه الحروف أي اللغات المختلفة لأنه من معاني الحرف اللغة وبذلك فسر البعض قوله عليه السلام : ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ) .
وأما تسميته بكتاب اللغات فمن أجل أنه أوعى فيه لغات القبائل وأشتات لهجاتها .
وأشكلت تسميته بالجيم لأنه لم يبدأ القول فيه بالكلم التي أوائلها جيمات فيكون ذلك مضاهاة لتسمية الخليل كتابه بالعين جريا على عرف العرب في تسميتهم الكل من الشيء باسم بعضه ، وإنما ابتدأه بالكلم التي أوائلها همزات .
وقد تعرض القفطي في إنباهه ( ج 1 ، ص 224 - 225 ) لهذا الإشكال فتكلم فيه بما نصّه :
« وصنف أبو عمرو كتاب الحروف في اللغة ، وسماه كتاب الجيم . وأوله الهمزة ، ولم يذكر في مقدمة الكتاب لم سماه الجيم ولا علم أحد من العلماء ذلك .
ولقد ذكر لي أبو الجود حاتم بن الكناني الصيداوي نزيل مصر ، وكان كاتبا يخالط أهل الأدب قال : سئل ابن القطاع السعدي الصقلي اللغوي نزيل مصر عن معنى الجيم فقال : من أراد علم ذلك من الجماعة فليعطني مائة دينار حتى أفيده ذلك ، فما في القوم من نبس بكلمة ، ومات ابن القطاع ولم يفدها أحدا .
ولما سمعت ذلك عن أبي الجود اجتهدت في مطالعة الكتب والنظر في اللغة إلى أن عثرت على الكلمة في مكان غامض من أمكنة اللغة ، فكنت أذاكر الجماعة ، فإذا جرى اسم الجيم أقول : من أراد علم ذلك فليعط عشرة دنانير فيسكت الحاضرون عند هذا القول ، فانظر إلى قلة همة الناس ، وفساد طريق العلم ، ونقض العزم ، فلعن اللّه دنيا تختار على استفادة العلوم » .
وجاء في تاج العروس من مادة ( جيم ) بشأن هذه التسمية ما لفظه :
« . . . والجيم أيضا الديباج هكذا سمعته من بعض العلماء نقلا عن أبي عمرو الشيباني مؤلف الجيم ، قلت :
نقل المصنف في البصائر ما نصّه :
قال أبو عمرو الشيباني : الجيم في لغة العرب الديباج قال : وله كتاب في اللغة سماه الجيم كأنه شبهه بالديباج لحسنه . . . » .
جعل الشيباني أبواب كتابه بعدد حروف الألفباء ،