تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحكم والمحيط الأعظم — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
في الترْغيبِ في الجميلِ : ولو رَأيتمُ المعروفَ رَجُلًا لَرأيتموهُ حَسَنا جميلًا ، كقولِ الشاعرِ :
ولم أرَ كالمعروفِ ، أمَّا مَذاقُه * فَحُلوٌ ، وأمَّا وَجهُه فَجميلُ « 1 »
فَجَعل له مَذاقًا وجَوهرًا ، وهذا إنما يكونُ في الجواهِرِ ، وإنمَّا يُرَغِّبُ فيه ويُنَبِّهُ عليه ويُعَظِّمُ من قدرِه بأن يُصَوّرَهُ في النفسِ على أشرَفِ أحْوالِه وأنْوَهِ صِفاتِه ، وذلك بأن يَتخيَّرَ شخصا مُجَسَّما لا عَرَضا مُتَوَهَّما . وقولُه تعالى :
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ
مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 105 ] معناه ، يختصُّ بِنُبُوَّتِه مِمَّنْ أخبرَ عزّ وَجلَّ أنه مُصْطَفًى مختارٌ . واللَّهُ
الرَّحْمنُ
الرَّحِيمُ * : بُنِيَت الصّفَةُ الأولى على فَعْلانَ لأن مَعناه الكَثْرةُ ، وذلك لأنّ رحمتَه
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
. فأمَّا الرَّحيمُ فإنما ذُكِرَ بعدَ الرْحْمَنِ لأنَّ الرحمنَ مَقصورٌ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ ، والرحِيمُ قد يكونُ لغيرهِ ، قال « الفارِسِىُّ » : إنما قيل :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ » * فجىء بالرَّحيمِ بعد استغراقِ الرَّحمنِ معنى الرَّحمةِ ، لِتَخْصيصِ المؤمنين به في قولِه :
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
[ الأحزاب : 43 ] كما قال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
[ ثم قال ] :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
[ العلق : 1 ، 2 ] فخصَّ بعدَ أنْ عَمَّ ، لما في الإنسان منْ وُجوهِ الصناعةِ ووجوهِ الحِكْمةِ . ونحوُه كثيرٌ ، وقد استَقْصيتُ شرحَ ذلك في [ الكِتابِ المُخَصصِ ] عند ذِكْرِ أسْمائِه الحُسنى . قال « الزَّجَّاجُ » : الرحمنُ اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ تَعالى مذكورٌ في الكُتُبِ الأوَلِ ولم يَكونوا يَعرِفونه من أسماءِ اللَّهِ . قال : « أبو الحسَنِ » : أُراه يَعْنِى أصحابَ الكُتُبِ الأُوَلِ ، ومعناه عند أهلِ اللُّغَةِ ذو الرْحمةِ التي لا غايةَ بعدها في الرْحمَةِ ، لأنَّ فَعْلانَ بناءٌ من أبنِيَةِ المبالَغَة . ورحيمٌ ، فعيلٌ بمعنى فاعِلٍ كما قالوا : سميعٌ بمعنى سامِعٍ ، وقديرٌ بمعنى قادرٍ . وكذلك رجُلٌ رَحُومٌ وامرأةٌ رَحُومٌ . وما أقربَ رُحْمَ فُلانٍ ، أي ما أرْحَمهُ وأبَرَّهُ . وفي التنزيلِ :
وَأَقْرَبَ رُحْماً
[ الكهف : 81 ] وقُرِئَت : رُحُما . * وأمُّ الرُّحْمِ : « مَكَّةُ » . والمرحومةُ : من أسماءِ مَدينةِ النبي صَلَى اللّه عليه وسلم ، يذهبون بذلك إلى مُؤْمِنى أهْلِها . * والرَّحِمُ والرَّحْمُ : مَنْبِتُ الوَلَدِ ووِعاؤُه في البطْنِ ، قال « عَبيدٌ » :
هامش
( 1 ) البيت لأبى العيناء في ديوانه ص 45 ؛ ولهذيل بن ميسر الفزاري في نسخة من نسخ أمالي القالى ( أمالي القالى 1 / 38 الهامش ) ؛ ولمبشر بن هذيل في ديوان المعاني ( 1 / 90 ) ؛ وبلا نسبة في لسان العرب ( رحم ) .
المحكم والمحيط الأعظم — صفحة 337 | ابن سيده / عبد الحميد هنداوي