وأفكار هذا العصر . على أن ذلك لو رامه رائم لأتعبه ، ولو فعله لقرأتَ ما لم ينحط عن درجة من قبله ، مِن جدٍّ يروعك ، وهزل يروقك ، واستنباط يعجبك ، ومزاحٍ يُلهيك .
وكان بقزوين رجل معروف بأبى حامد الضرير القزويني ، حضر طعاما وإلى جنبه رجل أكون ، فأحسَّ أبو حامد بجودة أكله فقال :
وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أمعائه معاوية « 1 »
فانظر إلى وجازة هذا اللفظ ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنبِ معاوية .
وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عجرد وأبو الشمقمق . وهل في إثبات ذلك عار على مثبته ، أو في تدوينه وصمة على مدوِّنه .
وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني ، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلا ، عليه عمامة سوداء وطيلسان أزرق ، وقميص شديد البياض ، وخُفٌّ أحمر ، وهو مع ذلك كله قصير ، على برذون أبلقَ هزيل الخلق ، طويل الحلق ، فقال حين نظر إليه :
وحاكمٍ جاء على أبلقِ * كعَقعَقٍ جاء على لَقلقِ
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدتَ للشاعر بصحَّة التشبيه وجودة التمثيل ، ولعلمت أنه لم يقصر عن قول بشار :
كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فما تقول لهذا . وهل يَحسن ظلمه ، في إِنكار إِحسانه ، وجحود تجويده .
وأنشدني الأستاذ أبو علي محمد بن أحمد بن الفضل ، لرجل بشيراز يعرف
هامش
( 1 ) المعاوية : الكلبة التي تعاوى الكلاب وتنابحها ، وبها سمى الرجل .