تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
يزال الناسُ بخير ما تَبايَنوا ، فإذا تَساوَوْا هَلَكوا ، وأصلُ هذا أن الخيرَ في النادر من النّاس ، فإذا استَوى الناسُ في الشرّ ولم يكن فيهم ذُو خَيْر كانوا من الهلْكى . وقال الفراء : يقال هم : سَواسِيَة : يَستوُون في الشرّ ، ولا أقول في الخير ، وليس له واحد . وحُكي عن أبي القَمْقام : سَواسِيه ، أراد سَواء ، ثم قال سِيَة ، ورُوي عن أبي عمرو بن العَلاء أنه قال : ما أشدَّ ما هجا القائلُ وهو الفرزدق :
سَواسِيّه كأَسْنان الحِمار
وذلك أن أسْنَانَ الحِمار مستويَة . وقولُ اللَّه جلّ وعزّ :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى
إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] . قال الفراء : الاستواء في كلام العرب على جهتين : إحداهما أن يَستوِيَ الرجلُ ويَنتهي شَبابُه وقوَّتُه ، أو يستوي من اعوجاج ، فهذان وجهان ، ووجهٌ ثالث أن تقول : كان فلانٌ مُقبِلا على فلان ثم استَوى عليَّ وإليّ يُشاتمُني ، على معنى : أقبلَ إليَّ وعَليّ ، فهذا معنى قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى
إِلَى السَّماءِ ، واللَّه أعلم . قال الفراء : وقال ابن عباس :
ثُمَّ اسْتَوى
إِلَى السَّماءِ : صَعِد ، وهذا كَقولِك للرجل : كان قائما فاستوَى قاعِدا ، وكان قاعدا فاستوَى قائما وكُلٌّ في كلام العَرَب جائز . وأخبَرَني المنذريُّ عن أحمد بن يحيى أنه قال في قول اللَّه تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : 5 ] ، قال : الاستواء : الإقبال على الشيء . وقال الأخفش : استَوى أي علا ، ويقول : استوَيْتُ فوقَ الدّابة ، وعلى ظهر الدَّابة ، أي : عَلَوْته . وقَال الزَّجَّاج : قال قومٌ في قوله عز وجل :
ثُمَّ اسْتَوى
إِلَى السَّماءِ عَمَد وقَصَد إلى السّماء ، كما تقول : فَرَغ الأميرُ مِن بلدِ كذا وكذا ، ثم استَوى إلى بلدِ كذا وكذا ، معناه : قَصَد بالاستواء إليه . قال : وقول ابن عبَّاس في قوله :
ثُمَّ اسْتَوى
إِلَى السَّماءِ أي : صَعِد ، معنى قول ابن عباس ، أي : صَعد أمرُه إلى السَّماء . وقولُ اللَّه جلَّ وعزَّ :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى
[ القصص : 14 ] ، قيل : إنّ معنى
( اسْتَوى
) ههُنا بلغَ الأربعين . قلت : وكلامُ العَرَب أن المجتمِع من الرجال والمستوِيَ هو الذي تمّ شَبابُه ، وذلك إذا تمّت له ثمان وعشرون سَنة فيكون حينئذ مجتمِعا ومستوِيا إلى أن تتمّ له ثلاثٌ وثلاثُون سَنَةً ، ثم يَدخُل في حَدِّ الكُهولة ، ويَحتمل أن يكون بُلوغُ الأربعين غايةَ الاستواء وكمال العقل والحُنْكة ، واللَّه أعلم . وقال الليث : الاستواء فِعْلٌ لازمٌ ، من قولك : سوَّيْتُه فاستَوَى .