تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وفي حديث طَلْحَة أنّ قَبِيصَةَ قال : ما رأيتُ أحداً أعْطَى لجزَيلٍ عن ظَهْر يدٍ من طَلْحَة ابن عبد اللَّه . قيل : قوله عن ظَهْر يدٍ ، معناه ابتداءً من غير مكافأة . وقال الأصمعي : يقال : هاجت ظُهُورُ الأرض ، وذلك ما ارتَفَع منها ، ومعنى هاجت أي يَبِسَ بَقْلها . وقال الفرّاء في قول اللَّه جلّ وعزّ :
( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
) [ التّحْريم : 4 ] ، قال : يريدُ أعوانٌ ، فقال :
ظَهِيرٌ
، ولم يقل ظُهَراء . ولو قال قائل : إنّ ظهير لجبريل وصالح المؤمنين وللملائكة كان صوابا ، ولكنه حَسُنَ أن تجعَل الظَّهير للملائكة خاصّةً لقوله :
( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
) أي بعد نُصْرَةِ هؤلاء ظَهِيرٌ . وقال الزجاج :
( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
) في معنى ظُهَرَاء ، أراد والملائكة أيضاً نُصَّارُ النبي صلى اللَّه عليه وسلّم . وقال غيره : ومِثلُ ظَهيرٍ في معنى ظُهَراء قولُ الشاعر :
إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بأَميرِ
يعني لَسْنَ لي بأُمراء ، وأما قول اللَّه عزّ وجلّ :
( وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
) [ الفُرقان : 55 ] . قال ابن عرفة : أي مُظاهراً لأعداء اللَّه تعالى ، وقوله جلّ وعزّ :
( وَظاهَرُوا
عَلى إِخْراجِكُمْ ) [ المُمتَحنَة : 9 ] أي عاونوا ، وقوله :
( تَظاهَرُونَ
عَلَيْهِمْ ) [ البَقَرَة : 85 ] أي يتعاونون ،
( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ
) [ التّحْريم : 4 ] أي ظُهَرَاء أي أعوان النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ، كما قال :
( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً )
[ النساء : 69 ] أي رفقاء . قال الشاعر :
إنَّ العَوَاذِل لَسْنَ لي بأمِيرِ
أي بأمراء ،
( فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
) [ الكهف : 97 ] أي ما قَدَرُوا أن يَعْلُوا عليه لارتفاعه ، يقال : ظهر على الحائط ، وعلى السَّطْح ، وظهر على الشيء : إذا غَلَبه وعَلَاه
( وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
) [ الزّخرُف : 33 ] أي يعلون ، والمعارج : الدَّرَج
( فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
) [ الصَّف : 14 ] أي غالبين وقولُ اللَّه جلّ وعزّ :
( وَإِنْ تَظاهَرا
عَلَيْهِ ) [ التّحْريم : 4 ] معناه : وإن تعاونا ، يقال : تظاهرَ القومُ على فُلان ، وتظافَروا وتضافَروا إذا تعاوَنوا عليه . وقول اللَّه جلّ وعزّ :
( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ
مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ) [ المجَادلة : 2 ] قرىء ( يَظَّهَّرون ) ، ومن قرأ ( يَظَّاهرون ) فالأصل يتَظاهرون ، والمعنى واحد ، وهو أن يقول لها : أنتِ عليَّ كظهْر أُمِّي ، وكانت العرب تُطَلّق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة ، فلمَّا جاء الإسلام نُهُوا عنها ، وأوجِبَت الكفارة على مَن ظَاهَرَ من امرأته ، وهو الظِّهار ، وأصله مأخوذٌ من الظَّهْر ، وذلك أن يقول لها : أنتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي ، وإنما خصُّوا الظَّهْر دون البَطْن والفخِذ والفَرْج ، وهذه أَوْلَى بالتَّحْرِيم ؛ لأنَّ الظَّهر مَوْضِعُ الرُّكُوبِ ، والمرأة مَرْكوبة إذا غُشِيَتْ ، فكأنه إذا قال : أنتِ عليَّ كظهر أمِّي ، أراد رُكُوبُكِ للنِّكاح حرام عليَّ كرُكُوب أمِّي للنِّكاح ، فأقام