تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وقال الفَرَّاء في قول اللَّه جلّ وعزّ :
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
[ المُلك : 4 ] يريد ينقلب صاغِراً وهو حَسِيرٌ أي كليلٌ كما تَحْسِرُ الإبِل إذا قُوِّمَتْ عن هُزَال وَكَلال ، وهي الحَسْرَى ، واحدها حَسِيرٌ ، وكذلك قوله عزّ وجلّ :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
[ الإسرَاء : 29 ] . قال : نَهَاه أن يُعْطِيَ كُلَّ ما عنده حتى يَبْقَى مَحْسُوراً لا شيء عنده . قال : والعَرَبُ تقول : حَسَرْتُ الدَّابَّة إذا سَيّرْتَها حتى يَنْقَطِع سَيْرُها ، وأما البَصَرُ فإنه يَحْسُرُ عند أقصى بُلُوغ النظر . وقال أبو الهَيْثَم : حُسِرَت الدَّابَّةُ حَسْراً إذا أُتْعِبَتْ حتى تَبْقَى ، واستحسرت إذا أَعْيَتْ ، قال اللَّه تعالى :
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
[ الأنبيَاء : 19 ] وفي الحديث : « الحسير لا يعقر » لا يجوز للغَازِي إذا حُسِرَت دابَّتُه وقَوَّمَتْ أن يَعْقِرها مخافَةَ أن يأخذها العَدُوُّ ، ولكن يُسَيِّبُها . وقال غيره : يقال للرّجَّالة في الحرب الحُسَّر ، وذلك أنهم يَحْسِرونَ عن أَيْدِيهم وأَرْجُلِهم . وقال بعضهم : سُمُّوا حُسَّرا لأنه لا دُرُوعَ عليهم ولا بَيْض ، والحَاسِرُ : الذي لا بَيْضَةَ على رأسِه ، وقال الأعْشى : يصف الدَّارعَ والحاسِر :
* تَعْصِفُ بالدَّارِع والحَاسِرِ *
وفي فتح مكة أن أبا عُبَيدة كان يومئذٍ على الحُسَّر وهم الرَّجَّالَة ، ويقال للذين لا دروع لهم . وقال أبو إسحاق في قول اللَّه عزّ وجلّ :
يا حَسْرَةً
عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ [ يس : 30 ] هذا أَصْعَب مسألة في القرآن إذا قال القائل : ما الفائدة في مُناداة الحَسْرة ، والحَسْرةُ مِمَّا لا تُجِيب ، قال : والفائدة في مناداتها كالفائدة في مُناداة ما يعقل ، لأن النِّداءَ بابُ تنبيه . إذا قلت : يا زَيْدُ ، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه بغير النداء فلا معنى للكلام ، إنما تقول : يا زيد لتنبهه بالنداء ، ثم تقول له : فعلت كذا ، ألا تَرَى أنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك : يا زيدُ ، ما أَحسنَ ما صَنَعْتَ فهو أوكَدُ من أن تقول له : ما أحسنَ ما صنعت بغير نداء ، وكذلك إذا قلت للمخاطب : أَنَا أعجَبُ مما فعلت ، فقد أفدته أنك مُتَعَجِّب ، ولو قلت : وا عَجَبَاهُ ممَّا فَعَلْت ، ويا عجباه أتفعل كذا كان دُعَاؤُك العَجَب أبلغ في الفائدة ، والمعنى يا عَجَبَا أَقْبِلْ فإنه من أَوْقَاتِك ، وإنما النداء تنبيه للمتعَجَّب منه لا للعَجَب ، والحَسْرَةُ أَشَدُّ الندم حتى يبقى النَادِمُ كالحَسِيرِ من الدوَابِّ الذي لا مَنْفَعَة فيه . وقال اللَّه جلّ وعزّ :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فَاطِر : 8 ] . وهذا نَهْيٌ معناه الخبر ، المَعْنَى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
فأضله اللَّه ذَهَبَتْ نَفْسُك عليهم حَسْرةً وتَحسُّراً ، ويقال حَسِر فلان يحسَر حَسْرَةً وحَسَراً إذا اشتدت ندامتُه على أمرٍ فاته ، وقال المَرَّار :
ما أَنَا اليومَ على شيْء خَلَا * يا ابْنَةَ القَيْن تَوَلَّى بِحَسِرْ