تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
اللحى : أن توفَّر وتكثر . يقال منه : قد عفا الشعْرُ وغيره إذا كثر ، يعفو فهو عافٍ . وقد عفَّيته وأعفيته لغتان إذا فعلت ذلك به ، قال اللَّه جلّ وعزّ :
حَتَّى عَفَوْا
[ الأعرَاف : 95 ] يعني كثروا . و في الحديث « إذا عفا الوَبَر وبرئ الدَبَر حَلَّت العمرة لمن اعتمر » . ويقال للشعر إذا طال ووَفَى : عِفَاء . وقال زهير :
أذلك أم أقبّ البطن جأبٌ * عليه من عقيقته عِفَاء
ويقال تعفّت الديارُ تعفِّياً إذا دَرَست . وقال الليث : ناقة ذات عِفاء : كثيرة الوبر . قال وعِفَاء النعامة : ريشه الذي قد علا الزِّف الصغار . قال : وكذلك عِفاء الديك ونحوه من الطير ، الواحدة عِفاءة ممدودة . وليست همزة العِفَاء والعِفاءة أصلية ، إنما هي واو قُلبت ألِفاً فمُدّت ؛ مثل السماء أصل مدّتها الواو . ويقال في الواحدة : سماوة وسماءة . قال : وعِفَاء السحاب كالخَمْل في وجهه . قال : ولا يقال للريشة الواحدة : عِفَاءة حتى تكون كثيرة كثيفة . قال : وقال بعضهم في همزة العِفَاء : إنها أصلية . قلت وليست همزتها أصلية عند النحويين الحذّاق ولكنها همزة مدّة ، وتصغيرها عُفَيّ . وقال اللَّه جلّ وعزّ :
فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 178 ] . قلت : وهذه آية مشكلة ، وقد فسّرها ابن عباس ثم مَن بعده تفسيراً قرّبوه على قدر أفهام أهل عصرهم ، فرأيت أن أذكر قول ابن عباس ، وأؤيّده بما يزيده بياناً ووضوحاً . حدثنا محمد بن إسحاق السعدي ، قال حدثنا المخزومي . قال : حدثنا ابن عُيَينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد قال سمعت ابن عباس يقول : كان القِصَاص في بني إسرائيل ، ولم تكن فيهم الدية ، فقال اللَّه جلّ وعزّ لهذه الأمة
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
[ البَقَرَة : 178 ] إلى قوله :
فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال فالعفو أن يُقبل الدية في العمد
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
[ البَقَرَة : 178 ] ممّا كتب على من كان قبلكم ، يطلب هذا بإحسان ويؤدِّي هذا بإحسان . قلت : فقول ابن عباس : العفو : أن يقبل الدية في العمد الأصل فيه أن العفو في موضوع اللغة الفضل . يقال : عفا فلان لفلان بماله إذا أفضل له ، وعفا له عمّا عليه إذا تركه . وليس العفو في قوله :
فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ [ البقرة : 178 ] عفوا من ولي الدم ، ولكنه عفو من اللَّه جلّ وعزّ . وذلك أن سائر الأمم قبل هذه الأمة لم يكن لهم أخذ الدية إذا قُتل قتيل ، فجعله اللَّه لهذه الأمة عَفْوا منه وفضلًا ، مع اختيار ولي الدم ذلك في العمد وهو قول اللَّه جلّ وعزّ :
فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 178 ] أي من عفا اللَّه جلّ وعزّ اسمه له بالدية حين أباح له أخذها بعدما كانت محظورة على سائر الأمم ، مع اختياره