تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
المعذِّرين قلت : يذهب ابن عبّاس إلى أن المُعْذِرين هم الذين لهم عُذْر والمعذّرون - بالتشديد - الذين يعتذرون بلا عذر ، وكأنهم المقصرون الذين لا عُذْر لهم والعرب تقول : أعذر فلان أي كان منه ما يُعذَر به . ومنه قولهم : قد أعذر من أنذر . ويكون أعذر بمعنى اعتذر اعتذاراً يُعذَر به . ومنه قول لَبيد يخاطب ابنتيه :
فقوما فقولا بالذي قد علمتما * ولا تخمِشا وجهاً ولا تحلقا الشَعَرْ إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذرْ
فجعل الاعتذار بمعنى الإعذار ، والمعتذِر يكون مُحِقاً ويكون غير مُحِقّ ؛ والمعاذير يشوبها الكذب . واعتذر رجل إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال له : عَذَرتك غير معتذِر . ويقول : عذرتك دون أن تعتذر وقرأ يعقوب الحضرميّ وحده : ( وجاء المُعْذِرون ) ساكنة العين ، وسائر قرّاء الأمصار قرءوا :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ
[ التوبة : 90 ] بفتح العين وتشديد الذال ، ممن قرأ
الْمُعَذِّرُونَ
فهو في الأصل : المعتذرون ، فأدغمت التاء في الذال لقرب المخرجين ، ومعنى المعتذرين : الذين يعتذرون ، كان لهم عذر أو لم يكن ، وهو ههنا شبيه بأن يكون لهم عذر . ويجوز في كلام العرب : المعِذّرون بكسر العين ؛ لأن الأصل : المعتذرون فأسكنت التاء وأدغمت في الذال ونُقِلت حركتها إلى العين ، فصار الفتح في العين أولى الأشياء ، ومن كسر العين جرّه لالتقاء الساكنين ، ولم يُقرأ بهذا . ويجوز أن يكون
الْمُعَذِّرُونَ
: الذين يعذّرون يوهمون أن لهم عذراً ولا عذر لهم . وأخبرني المنذري عن ابن فهم عن محمد بن سَلَّام الجُمَحيّ عن يونس النحويّ أنه سأله عن قوله تعالى :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ
مِنَ الْأَعْرابِ [ التوبة : 90 ] فقال : قلت ليونس : ( المُعْذرون ) مخفّفة كأنها أقيس ؛ لأن المُعْذِر : الذي له عُذْر ، والمعذّر : الذي يعتذر ولا عذر له . فقال يونس : قال أبو عمرو بن العلاء : كِلَا الفريقين كان مسيئاً ، جاء قوم فعذَّروا ، وجَلَّح آخرون فقعدوا . وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه قال في قوله :
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ
. قال : معناه : المعتذرون . ويقال : عذَّر الرجل يَعِذّر عِذّاراً في معنى اعتذر . ويجوز عِذِّر يَعِذّر فهو مُعِذِّر ، واللغة الأولى أجودهما . قال : ومثله هَدّى يَهدّى هِدّاءً إذا اهتدى . وهِدَّى يهِدِّي . قال اللَّه جل وعزّ :
أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
[ يُونس : 35 ] . قلت : ويكون
الْمُعَذِّرُونَ
بمعنى المقصّرين على مفعِّلين من التعذير وهو التقصير . يقال : قام فلان قيام تعذير فيما استكفيتُه إذا لم
تهذيب اللغة — صفحة 184 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري