تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
اللَّه جلّ وعزّ عرشاً فقال :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ
عَظِيمٌ [ النَّمل : 23 ] . قلت : والعرش في كلام العرب أيضاً : سَقْف البيت ، وجمعه عروش ؛ ومنه قول اللَّه جلّ وعزّ :
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ البَقَرَة : 259 ] قال الكسائي في قوله :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
: على أركانها . وقال غيره من أهل اللغة : على سقوفها ، أراد أنَّ حيطانها قائمةٌ وقد تهدَّمت سقوفُها فصارت في قرارها ، وانقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدِّمة قبلها . ومعنى الخاوية والمنقعرة واحد ، يدلُّك على ذلك قولُ اللَّه عزّ وجلّ في قصة قوم عاد :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
[ الحَاقَّة : 7 ] ، وقال في موضع آخر يذكر هلاكهم أيضاً :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
[ القَمَر : 20 ] ، فمعنى الخاوية والمنقعر في الآيتين واحد ، وهي المنقلعة من أصولها حتَّى خَوَى مَنبِتها . ويقال انقعرت الشجرةُ ، إذا انقلعت ، وانقعر البيت ، إذا انقلعَ من أصله فانهدم . وهذه الصفة في خراب المنازل من أبلغ الصِّفات . وقد ذكر اللَّه جلّ وعزّ في موضع آخر من كتابه ما دلَّ على ما ذكرته ، وهو قوله :
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النّحل : 26 ] أي قلع أبنيتَهم من أساسها ، وهي القواعد ، فتساقطت سقوفُها وعَلتها القواعد وحيطانُها وهم فيها . وإنما قيل للمنقعر خاوٍ لأنَّ الحائط إذا انقلعَ من أُسِّه خَوَى مكانُه ، أي خلا . ودارٌ خاوية ، أي خالية . وقال بعضهم في قوله :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ البَقَرَة : 259 ] أي خاوية عن عروشها لتهدُّمها ، جعل على بمعنى عن ، كما قال اللَّه تعالى :
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
[ المطفّفِين : 2 ] أي اكتالوا عنهم لأنفسهم . وقال ابن الأعرابي أيضاً : العرش : بناءٌ فوق البئر يقوم عليه الساقي . وأنشد :
أكلَّ يومٍ عَرشُها مَقيلي
قال : والعرش : المُلْك ، يقال ثُلَّ عرشُه ، أي زالَ مُلكه وعزُّه . قال زهير :
تداركتما الأحلافَ قد ثُلّ عرشُها * وذِبْيانَ إذْ زَلَّت بأقدامها النعلُ
قلت : وقد رأيتُ العرب تسمِّي المَظَالَّ التي تُسوَّى من جريد النَّخل ويُطرَح فوقَها الثُّمامُ عُروشاً ، والواحد منها عريشٌ ، ثم يُجمَع عُرُشاً ، ثم عروشاً جمعُ الجمع . ومنه حديث ابن عمر أنّه كان يقطع التلبيةَ إذا نظرَ إلى عروش مكّة ، يعني بيوت أهل الحاجة منهم . ومنه حديث سعدٍ أنه قال : « تمتّعنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وفلانٌ كافرٌ بالعُرُش » ، يعني وهو مقيمٌ بعروش مكَّة - وهي بيوتها - في حال كفره . ويقال للحظيرة التي تسوَّى للماشية تُكنُّها من البرد : عريش . وقال ابن شميل : الإعراش : أن تُمنع الغنم أن ترتع ؛ وقد أعرشتها ، إذا منعتَها أن ترتع . وأنشد :
يُمحَى به المَحلُ وإعراشُ الرُّمُمْ
ويقال اعرَوّشْتُ الدّابةَ ، واعترشته ،