يعقل خير وشر أو موافق ومخالف إلا عارضا لجسم ، وقد يعقل ذلك بل يوجد « 1 » . فبيّن أن هذه الأمور هي في أنفسها غير مادية ، وقد عرض لها إن كانت مادية . والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه الأمور .
فإذن الوهم قد يدرك أمورا غير مادية ، ويأخذها عن المادة ، كما يدرك أيضا معاني غير محسوسة وإن كانت مادية . فهذا النزع إذن أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين ، إلا أنه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة ، لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة مادة ، وبالقياس إليها ، ومتعلقة بصورة محسوسة مكنوفة بلواحق المادة وبمشاركة الخيال فيها .
وأما القوة التي تكون الصورة المثبتة « 2 » فيها ، إما صور موجودات ليست بمادية البتة ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مادية ولكن مبرأة عن علائق المادة من كل وجه ، فبيّن أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجردا عن المادة من كل وجه . فأما ما هو متجرد بذاته عن المادة فالأمر فيه ظاهر ، وأما ما هو موجود للمادة إما لأن وجوده مادي ، وإما عارض له ذلك فتنزعه عن المادة وعن لواحق المادة معه ، فتأخذه أخذا مجردا ، حتى يكون مثل الإنسان الذي يقال على كثيرين ، وحتى تكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة ، وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ووضع مادي .
ولو لم تجرّده عن ذلك لما صلح أن يقال على الجميع .
فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسى ، وإدراك الحاكم الخيالي ، وإدراك الحاكم الوهمي ، وإدراك الحاكم العقلي . وإلى هذا المعنى كنا نسوق
هامش
( 1 ) - اى تعقل مجردة وتوجد مجردة في الخارج .
( 2 ) - المستثبة - خ .