إليها ، والاعتداء على حقوقها والاستخفاف بمصالحها . ألا ترى أنهم ملكوا الهند منذ مائة سنة ونيف ، وأن الهنود صاروا من ثَمَّ عبيدا محرومين من حقوق الانسانية ، لاينالون مرتبة حربية ولا منصبا سياسيا . وقد فقدوا حرية الضمير ، وهي أشرف الحريات وأقدسها . وكان الواجب على الانكليز أن يخففوا الضرائب ، ويقللوا المكوس ، كي يبقى للأهالي بعد أداء الرسوم شيء من ثمرة أتعابهم ينفقونه في حاجاتهم وتحسين أقواتهم اليومية ، فما التفتوا إلى ذلك ، بل عطلوا تجارة الهند وشلوا صناعتها ، بما يقذفون إليها من مصنوعاتهم الأوربية ، وقطعوا الاتصاليات بينها وبين جيرانها الأفغان ، بحرب جائرة شهروها عليهم بغيا وعدوانا ، فكسبوا منها وبالًا وخسرانا . وقد نشأ عن هذه الحرب التي ركب فيها المعتدون متن الشطط والغواية أن الأفغان صاروا أعداء ألداء للانكليز ، وحالفوا الدولة الروسية على التناصر والتآزر حين تجيء الساعة . وإذ حبط سعيهم في أفغانستان ، وأخذهم الحسد الشديد من حلول الفرنسيين في تونس ، وشعروا بتفاقم كره الهنديين لهم وميلهم إلى إعانة أي دولة تريد مغالبتهم على أجمل أملاكهم الأسيوية ، وقع في قلوبهم خوف شديد أعمى بصائرهم عن الهدى فارتكبوا غلطا جديدا ترتبت عليه نتيجتان لابد أن تضراهم في الاستقبال . وأما الغلط فهو تداخلهم في مصر بالمكر والاحتيال وهما سلاحهم القوي في جميع الأحوال ، واضمارهم مد سلطتهم إلى عبر البحر الأحمر وانشاب أظافرهم في ولايتي اليمن والحجاز . والنتيجة الأولى التي جرَّها تدخلهم في مصر أنهم غاظوا كثيرا من الأمم الأوربية ، ولا سيما فرنسا . فإن لها في وادي النيل مصالح لا ريب في أهميتها ، ولا خلاف في سابقيتها . ولو تبصروا لعلموا ، مع ما هم عليه من الاغترار بقوتهم ، أنَّ صداقة الأمة الفرنسوية ضرورية لهم في ما عسى أن يطرأ على الشرق من الحوادث الجسيمة ، والانقلابات الفعلية ، حال كون فرنسا تستغنى عن ودادهم ولا تفتقر إلى
الرسائل والمقالات — صفحة 146
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٤٦