تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
بعضها ببعض . ولا يحصل لها علو الكلمة ، وبسطة الملك إلا أن تصير مسالك حركات أفرادها كأنصاف الدائرة منتهية إلى نقطة سعادة الكل ، غير خارجة عن محيط الجنسية ، وأن يلاحظ كل منها منفعة الكل أولا وبالذات ، وينظر إلى منفعة نفسه ثانيا وبالعرض ، حتى يكون خير الكل كينبوع تتشعَّب منه جداول خيرات الآحاد . وحينئذ يجذب كُلُّ الآخر عند دفعه إياه ، ويقبل عليه عند إعراضه عنه ، فيرتفع الشقاق ويزول النفاق وتعتدل الاخلاق ، لأن كلا يعلم إذ ذاك أن الآخر لايسعى إلا له ولا يدأب إلا في إيصال المنفعة اليه . وليس له أن ينال الخير إلا به ، فهو بمنزلة نفسه ، ومنه سعادته ، وبه يذود الشر ، فيحبه محبة ذاته ويعامله معاملة نفسه . وإذا بلغ كُلُّ مع الآخر إلى هذه المنزلة من الالتئام ، فلا يمكن أن يتحقق في الأمة فساد الأخلاق ، لأن منشأ الأخلاق الرذيلة المزاحمة في المنافع ، والمنازعة فيها . فمن ذا الذي يوالس الساعي في خيراته ، ومن يغش الباعث على سعادته ، ومن يخون قوام حياته ؟ ولهذا تلتئم الأفكار ، وتتحد الآراء ، وتأتلف الأهواء ، وتترادف الأيدي ، وتتناصر السيوف ، وتجتمع القوى ، فتصير الأمة التي حازت هذه الدرجة من الوحدة مقومة في نفسها ، متمكنة من صيانة حوزتها ، قديرة على قهر الأمم التي تغالبها ، كما وقع للعثمانيين وللأمة العربية من قبل . وكَوْنُ كل من أحاد هذه الأمة المتلبسة بالوحدة ناظراً إلى ما يجلب الخير والسعادة إلى الكل ، يبعث كلا على الأفعال الشريفة التي يستفيد من نتائجها مجموع الأمة فتكثر بينها الصنائع النافعة ، وتنتشر العلوم الحقيقية والمعارف الصادقة ، وترتقي بها إلى ذروة المدنية ، وأوج المجد ، متمتعة بثروتها ، متنعمة بثمار مساعيها ، يحف بها الأمن وتكتنفها الرفاهية ، وهي تسود ولا تساد ، ولا تضرب دون نفاذ مقاصدها الأسداد ، كالأمة العربية في الأزمان السابقة . ولما ظهر أن علة صعود الأمم هي اتفاق الكلمة والاتحاد التام بين أفرادها ، عُلِم أن سبب النزول ( هو ) التَفرُّقُ وعدم الاتحاد ، وعن تفرق الكلمة ينظر كل إلى نفسه ، ويسعى لمنفعة شخصه ، فتختلف جهات حركات الآحاد ، وتتغاير مسالك المنافع فيكثر النفاق ، ويزيد الشقاق ، ويروج سوق الخيانة والكذب والافتراء ، وتتمكن العداوة والبغضاء ، وتتشتت الآراء ، وتتنافر القلوب ، وتتفلق الآحاد ، ويستولى