تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

14 - منافع‌الوفاق ومضارالشقاق

إن للأمم صعودا ونزولًا . وإنها في ارتفاعها وانخفاضها تتناوبها السعادة والشقاوة ، وتعتورها العزة والمسكنة . ما يطمح بصرها إلى ذرى المجد الَّا وترى نفسها في حضيض المذلة ، وما تشيم سيوف القهر إلَّا وتجندل بها ، وما تمديدها لفتح الممالك إلا وتنهب دورها ، وتغصب بلادها ، وتستعبد رجالها . إن الفارس ( فارس ) الأولى تقلص ظلها بعد بسطة الملك بفتوحات إسكندر اليوناني ، وانقرضت السلطنة اليونانية الفسيحة بأيدي الرومانيين ، وأباد العرب المملكة الساسانية الراسخة ، وجَدَعوا أنف الروم . واستولى محمود الغزنوي على البلاد الهندية الواسعة بهجماته المتتالية ، وجعل كلمة الاسلام عالية بقهر الوثنيين ، وإزالة دولة برهما ، وجَتَّ هلاكوخان شجرة الخلافة العربية التي وشجت عروقها ، وامتدت فروعها شرقا وغربا . وفتح العثمانيون مدينة قسطنطنية ، وأخنوا على الروم واليونان ، ودوخوا بلادهم . وقام بعد هؤلاء أقوام تفتح البلاد ، وتقهر العباد . ولقد كانت أسماؤها مطوية في طومار الدهر من قبل . أليس لهذه التبديلات من عِلَلْ ؟ أفلا توجد لهذه الحوادث مقتضيات ؟ أفلا تكون لمقتضياتها معدات ؟ بلى . إن الحوادث في عدمها تفتقر إلى علل افتقارها إليها في وجودها ، وإن عللها مسببة عن مقتضياتٍ تعدها للوجود ، وتجعلها أن تستتبع معلولاتها . وليست أسباب هبوط الأمم ، وعروجها ، طلوع نجم ، وأفول كوكب كما ذهب اليه البعض . وليس جَزْرُ قوتها . ومد سلطتها مسببين عن الأسباب الطبيعية ، لأننا نرى أمما كثيرة شبت بعدما شابت ، وبعثت بعدما ماتت ، وصارت عظاما نخرة . والأسباب الطبيعية لاتحيد عن سننها ولا تقف عن سيرها ، ولا تعتريها التبديلات ، ولا يصدها عن مسالكها اختلاف الحركات . هاهي الأمة الايطاليانية أمامك فأنظر