تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
إليها يظهر لك صدق مقالي . ولا تغض النظر عن أسبانيا متدبرا فيما كانت عليه ، معتبرا فيما آلت اليه . وإن الأمم ، ما صعدت إلَّا بنفسها ، وما هبطت إلَّا من نفسها ، وفيها سعادتها ومنها شقاوتها . وإنها هي السبب الموجب لضعف قوتها ، ورفع سلطتها وخراب بلادها . وإنها هي التي تجعل نفسها بنفسها عبيدا أذلاء للأجانب ، يحكمون فيها كيفما شاءوا ، ويستعملونها في منافعهم بما أرادوا . إن الانسان بجبلته لا يسعى إلَّا إلى سعادته ، ولا يدأب إلا لجلب الخير إلى نفسه ، ودفع الشر عنها ، حيث أنه المتصرف في عالمه ، وبيده سعادته وشقاوته ، فما الذي يهوى به إلى مهواة الشقاء ويقوده إلى الهلاك ؟ وما الذي يعوقه عن النجاة ، ويمنعه من الخروج من الورطات ، ولو نسبنا شقاوة انسان إلى القوة القاسرة ، وعزونا حرمانه إلى المزاحمات التي قلما يخلو عنها الانسان في سيره في مسالك سعادته ، فما الذي يمكنا أن نقيمه دليلا على انحطاط أمة قاومت الدول القديمة وغالبت الأمم العظيمة ، وفتحت البلاد ، وقهرت العباد ؟ وما السبب الذي يوجب ترعرع أمة ، وهي لقلة العَدَد فاقدة العِدَد ، ويجعل لها يدا عالية وقوة قاهرة ، ؟ هنا يلزم السَّبْرُ والدوران . إن الأمة العربية ( في ) صدر الاسلام ما كان عددها يزيد عن المليونين . وإنها مع الفقر المدقع وقتئذ ، وخلوها عن العلوم والصنائع قد أرغمت الأكاسرة ودمغت القياصرة . والآن بلغ عددها 30 مليونا وهي قاصرة عن إدارة نفسها عاجزة عن صيانة بلادها . إن العثمانيين ، مع قلة العدد ، قد أرعدوا الدول الغربية ، وأذلوا الجبابرة . وتراهم من نصف قرن ، مع سعة بلادهم ، وكثرة رجالهم ، يسترحمون ملوك الإفرنج ، ويحتمون بهم ، ويزعمون أن لاحياة لهم على البسيطة إلا بهم . وإذا رجع البصير إلى نور بصيرته ، أفما يحكم بأن هاتين الأمتين قد فقدتا الآن أمرا كان هو السبب لعلو شأنهما وبسطة سلطتهما ورفيع منزلتهما ؟ فيجب علينا أن نسبر حركاتهما الفكرية وأخلاقهما النفسانية ، حتى نقدر أن نجد الأسباب الحقيقية التي أوجب وجودها جلب علو كلمتهما وانعدامها أوجب انحطاطهما ، فنقول : لا يمكن أن تنال أمة من الأمم سعادة ما إلّا بالتئام آحادها التئام أعضاء الجسد