أخاه . وتظهرون المحبة والصفاء ، وتعلنون الوفاء والأمانة ، وتضمرون الغدر والخيانة ، تحلفون وتحنثون ، وتعاهدون وتنقضون ، وتعدون وتخلفون ، لا يرى أحدكم راحة من أخيه لمحة . بل على توالي اللحظات يحذر سوء أخوانه ، ويتوقع منهم الشر . وثانيا قد نُسِبْتُ إلى الخسة والدناءة ، مع أنني ومن يشاركني في نوعي جُبلْنا على عزة النفس والشرف وارتفاع الهمَّة . لا يرضى أحدنا أن يدخلَ تحت الرقِّ ، وأن يحني الظهر إلى العبودية . ألا ترى أن أضعفنا لو هجمت عليه الألوف بالسيوف ، وراموا إذلاله وخذله ، وحصروه ، وسدوا عليه طرق الفرار ، وتقطعت أسباب خلاصه ، ولم يبق له الَّا سبيل الموت فإنه يجمع قوته ، ويصول صولة الأسود والنمور . ومع صغر جسمه وضعف قوته يهجم على عدوه فيضرب هذا ويعض ذاك ، إلى أن يموت بعزَّة وشرف ، ويختار الموت الشريف على الحياة الدنية . وأما أنت أيها الانسان ، ومن يشاركك في نوعك ، فقد طبعتم على الذل وعلى الانكسار ، وجُبلْتُم على الحقارة والهوان . فإني أرى أن رجلًا واحداً منكم يطلم صالحكم ، وعالمكم ، وجاهلكم ، وغنيكم ، وفقيركم ، وضعيفكم ، وجبانكم ، وشريفكم ، ووضيعكم ، وذليلكم ، وغبيكم ، وزارعكم ، وصانعكم ، وتجاركم ، وعمالكم ، وأرباب سيفكم ، وأصحاب قلمكم ، ويستصغرهم ، ويستحقرهم ، ويضيع حقوقهم ، ويهتك أعراضهم ، ويسلب أموالهم ، ويتصرف في أرواحهم وأبدانهم ، ويستخدمهم شهورا وأعواما ، ولا يعطيهم مالًا يحفظون به حياتهم من القوت الضروري واللباس الكافي ، وما يتعلق بذلك . بل تراهم في أدنى الضروريات ، مع أن الانسان إذا كان عنده ثور أو « حمار » يقضي عليه عمله ، لا يجد مفراً من أن يطعمه ويسقيه ويأتي اليه بجميع لوازمه . وأنتم عند ذاك الرجل أدنى وأحقر من الحيوانات ، لا ينظر إليكم نظرة راضٍ ، ولايكافىء أعمالكم الشاقة وأتعابكم الدائمة بشئ ، حتى إنه لا يراضيكم بكلمة معروف ولا حمد ولا شكر . ولا يلاقيكم بالترحاب والبشاشة ، ولا يقطب جروح آمالكم بإظهار الممنونية . ومع ذلك لا تزدادون الا خضوعاً له وطاعة لأمره ، ووقوفاً بين يدي إرادته . أفلا تنظر يا أيها الانسان الغشوم إلى الأماكن التي خصصت لمنفاكم ، سيبيريا أرض الزمهرير كيف جعلها محلا لنفي أبريائكم الذين لاجناية لهم ؟ أولا تنظر إلى
الرسائل والمقالات — صفحة 134
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٤