الجلود ماتتقى به الحر والبرد ، ومن الآلات البدنية كالنياب والمخالب ما تدفع به عدوها ونحو ذلك . وأما أنت فخلقت محتاجا « فقيرا » من جميع الوجوه ، فاحتجت إلى الاستعانة بالعلوم والصنائع على تحصيل الراحة في حياتك مثل أدنى حيوان . ومع ذلك لم تصل بعد إلى الراحة المطلوبة . الانسان : أفلا تنظرين إلى الانسان كيف وضع القوانين والنظامات ، وأقام المحافظين على الحقوق لتحصيل الأمن عليها ، وتنفيذ أحكام القانون ، حتى يتم بذلك اطمئنان كل أحدٍ على جميع نفسه وحقوقه . فهل يوجد في طائفة الحيوانات مثل هذه النظامات ؟ الهرة : أيها الانسان ، ان بيانك هذا قد دَلَّني على أنكم أشرار قد جُبلتم على الخيانة والظلم والغدر والعدوان والشقاق والنفاق وجميع الشرور . من أجل هذا احتجتم إلى وضع الحدود والقوانين والقيام بتنفيذها لدفع شر بعضكم عن بعض ، حتى يكون لكم نوع ما من الاصلاح . ومع ذلك أين الاصلاح ؟ أَجِبْني ؟ الانسان : أيهاالحيوان . أنظر إلى حكمة الانسان . كيف أحكم الارتباط بين أفراده ، حيث جعل الملوك العظام والوزراء والولاة المدبرين والرؤساء المتصرفين حتى يكون كل واحد منهم بمنزلة عقدة سلسلة لاجتماع الانسانية ، حتى ينال السعادة بالتعاون . ويكون النوع كجسد واحد يشد بعضه بعضا بخلاف بقية الحيوانات فإنهم فُرُطُ لا رابط لهم . الهرة : أيها الانسان المشاغب المغالط السوفسطائي . إن بيانك قد أفاد أنكم أخسَّاء أدنياء ، طبعتم على حب العبودية والرق . فإن الحُرَّ يستنكف أن يكون خاضعا لشخص واحد . وأنتم قد اجتهدتم لأن تصيروا عبيدالعبيد . ومع ذلك ، إن كباركم هؤلاء قد تسلطوا على نفوسكم وأرواحكم يبيعونها إلى الحروب والمقاتلات ، تقاسي من الأتعاب والمشقات ما لا يوصف حتى تموت في حضيض شقائها . كل ذلك في تحصيل شهوة سلطان أو فخر كبير . وتسلطوا على أموالكم التي تتحملون فيها المصاعب حتى تحصلوها ، فيأخذونها منكم قهراً عنكم ليصرفوها في قضاء شهوتهم وتحصيل أغراضهم ، فإن أبى أحدكم أو عجز لا يجد رَقَّة ولا رحمة . ولكن يعامل
الرسائل والمقالات — صفحة 132
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٢