بأشد العذاب والعقاب ، حتى إنهم يجردونكم من جميع ثمرات أتعابكم . فإن أبقوا لكم نعمة فما ذاك إلا لتأكلوا وتسمنوا لتصيروا أقوياء ، حتى يستعملوكم في خدمتهم ويتسلطوا على أعراضكم . . . فيهتكون حرمتها إن شاءوا .
أفبهذا تفتخر ؟ بئس الافتخار ! الانسان : أيتها الهرة ، أفما سمعت أن مدَبِّر الكون قد شَرَّف الانسان بالأنبياء والرسل الكرام العظماء الذين هم فخر الوجود بأسره ؟ أيليق الجدال بعد ذلك في شرفه على جميع الأنواع ؟ الهرة : آمنت وصدقت بشرفه وعُلَوِّ مقامه . ولكن يا أيها الأشقياء ، أين إيمانكم بهؤلاء العظماء ؟ وأين إتِّباعُكُم لشرائعهم واقتداؤكم بهم في مزاياهم وفضائلهم ؟ إنهم بعد ما جاءوكم لم تزدادوا إلا طغيانا وفسقا وعدوانا . وقد نبذتم ما أتَوْا به من الحق وراء ظهوركم ، ولم تشكروا نعمة الله عليكم ببعثة هؤلاء العظماء المقدسين فيكم لكي يرشدوكم إلى طرق خيركم . مع هذا إنك تعلم أن صحيح المزاج لا يحتاج إلى الطبيب . فاحتياجكم إلى المرشد هو دليل على تمكن المرض من نفوسكم . فكأنكم فُطِرْتُم على المرض ، إلّا أنكم لاتحسون بألمه . فكيف العلاج ؟ فمالك لا تقيم دليلا إلا ويكون مفضحا لك ؟ الانسان : أيتها المتمشدقة الخسيسة ، إنك بهذه الشقشقة قد أخرجتني عن الموضوع . أنتِ لِمَ خطفت حمامتي ، وبأي وجه خنتيني في مالي ؟ الهرة : أيها الانسان المُعْجب المتكبر الجهول . أقول لك أولا إنه لا يليق بك ، ولا بنوعك ، أن تنسبني إلى الخيانة ، مع أن مدبِّر الكون قد أباح لي أن آخذ من العالم ما يسد رمقي ، ويدفع حاجتي بأي طريق كان . أمَّا أنتم فكل واحد منكم ينتهز الفرصة لأخذ ما بيدالآخر . وكلُّ قوي منكم يسلب أموال الضعيف . وينفقها في القصور المشيدة والألبسة الفاخرة والأطعمة الشهية ، وما يشبه ذلك من اللذات التي لا حاجة به إليها ، وإنمَّا يحصِّلها بَطَراً وازدراء . وانَّ أحدكم لا يكتفي بقرينته التي اختص بها . بل يطلب امرأة جاره وصديقه ، ويخونه فيها . وقد اتخذتم الكذب والنفاق آلة لتحصيل مآربكم ، حتى إنَّ الوالد يخون ولده والولد يخون أباه ، والأخ يخون
الرسائل والمقالات — صفحة 133
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣٣