ما سواه . وإن أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ، ولطف احسانه اليه . فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما » ( الخطبة 214 نهج ) .
وفي هذا المعنى تروى القصة التالية : ان شخصا سمع بزاهد فأراد أن يزوره ، ولما قدم عليه وجده يعيش في قصر فخم ، ومن حوله الرياش والخدم . فقال له : عجبت من أمرك ، وقد سمعت أنك زاهد ، وما أرى آثار ذلك عليك . فقال الزاهد : ليس الزهد أن لا تملك المال ، وانما الزهد أن لا يملكك المال . ولقد أنعم الله عليّ بهذه الخيرات التي ترى ، وأنا أعمل على إنفاقها في سبيل الله ، وأسخرها لقضاء حوائج المؤمنين ، وأرى أن وجودها وعدم وجودها عندي سيان .
فقر الصالحين :
يسمى الفقر الذي لا يكون الانسان فيه مفتقرا إلا إلى الله ( فقر الصالحين ) وهو أرقى درجة يبلغها المؤمن في معارج الفضيلة والصلاح والسمو والفلاح ، حيث يترفع عن مؤثرات الدنيا الفانية ، زاهدا بمظاهرها ومتعها .
ويحصل هذا الفقر في آخر درجات تربية النفس ، تربية تسير بها إلى العبادة الحقة والفضيلة الانسانية ، حيث يدرك الانسان المؤمن أن المال وسيلة لا غاية .
وسيلة للاكتفاء والترفع عن حاجة الناس ، ثم وسيلة لمواساة الآخرين ورفع البؤس عنهم .
وليس يعني هذا القعود عن العمل والتواكل على الغير ، بل إنه ينطوي على العمل والجهاد ، لتسخير الوجود كله لخدمة الانسان ، ونشر العدالة والسعادة بين كل بني الانسان .
انه اقتفاء طريق العارفين ، وارتواء القلب من عين اليقين . . . انه عزة للنفس وإباء ، يوصلان إلى الجوزاء ، وتوحيد صادق للهّ خالص من كل رياء .
وفي ذلك يقول الفيلسوف الاسلامي الكبير الدكتور محمد اقبال :
يا عبيد الماء والطين اسمعوا * ما هو الفقر الغني الارفع
هو عرفان طريق العارفين * وارتواء القلب من عين اليقين
ذلك الفقر عزيز في غناه * هامة الجوزاء من أدنى خطاه