وصنّفوا في ذلك كتبا ، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه ، وقصروه عليه ، وسموّه سيّد الفتيان ، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المرويّ ، أنه سمع من السماء يوم أحد : لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا علي وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيّد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة . قالوا : قلّ أن يسود فقير ، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسميّه الشيخ .
وفي حديث عفيف الكندي ، لمّا رأى النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم يصلّي في مبدأ الدعوة ، ومعه غلام وامرأة ، قال : فقلت للعباس : ايّ شيء هذا . قال : هذا ابن أخي محمد يدّعي أنه رسول من اللّه إلى الناس ، ولم يتبعه على قوله إلّا هذا الغلام عليّ ، وهو ابن أخي أيضا ، وهذه الامرأة وهي زوجته خديجة .
قال : فقلت : ما الذي تقولونه أنتم .
قال : ننتظر ما يفعل الشيخ ، يعني أبا طالب .
وأبو طالب هو الذي كفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صغيرا ، وحماه وحاطه كبيرا ، ومنعه من مشركي قريش ، ولقى لأجله عنتا عظيما ، وقاسى بلاء شديدا ، وصبر على نصره والقيام بأمره .
وجاء في الخبر : أنه لمّا توفّي أبو طالب أوحي إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقيل له : أخرج من مكة ، فقد مات ناصرك .
وله مع شرف أبيه أن ابن عمه محمدا سيّد الأولين والآخرين ، وأن أخاه جعفر ذو الجناحين ، الذي قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : أشبهت خلقي وخلقي ، فمرّ يحجل فرحا ، وأن زوجته سيّدة نساء العالمين ، وأن ابنيه سيّد اشباب أهل الجنة .
فآباؤه آباء رسول اللّه ، وأمهاته أمهات رسول اللّه ، وهو متّحد برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وفي الأولاد أيضا متحد .
وكانا متحدين في الأصول والفروع ، منوط لحمه بلحمه ودمه بدمه ، لم يفارق نورهما منذ خلق ، إلى أن افترق بين الأخوين عبد اللّه وأبي طالب وأمّهما واحدة ، فكان من عبد اللّه سيد الأنبياء ومن أبي طالب سيد الأوصياء ، وكان ، هذا الأول وهذا التالي ، وهذا المنذر وهذا الهادي .
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن باللهّ وعبده وكلّ من في الأرض يعبد الحجر ، ويجحد الخالق .
لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلّا السابق إلى كلّ خير محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم .
وذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتّباعا لرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم إيمانا به ، ولم يخالف في ذلك إلّا الأقلّون .
وقد قال هو عليه السلام : أنا الصدّيق الأكبر ، وأنا الفاروق الأول ، أسلمت قبل إسلام الناس ، وصلّيت قبل صلاتهم .
ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا .
وإليه ذهب الواقديّ وابن جرير الطبريّ ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب « الاستيعاب » .
ولأنّا إنما نذكر في مقدمة الكتاب جملة من فضائله عنّت بالعرض لا بالقصد ، وجب أن نختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه .
تمام نهج البلاغة — صفحة 42
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٤٢