حدثني عمر بن أبي الحسين الطوسي أن أباه وجهّ به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هذيل فمرت بنا أراجيز فأنشدته أرجوزة لأبي تمام لم أنسبها إليه وهي :
عاذل عذلته من عذله * فظن اني جاهل ، من جهله
- إلخ - فقال لابنه : اكتبها فكتبها على ظهر كتاب من كتبه فقلت له جعلت فداك انها لأبي تمام فقال ، خرّق خرّق - قال المسعودي : وهذا من ابن المدبر قبيح لأن الواجب أن لا يدفع احسان محسن عدوا كان أو صديقا ، وان تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع فقد روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام انهّ قال : الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك - وقد ذكر عن بزرجمهر - وكان من حكماء الفرس - انهّ قال : أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب ، قيل ما أخذت من الكلب قال : ألفه لأهله ، وذبهّ عن صاحبه - قيل فما أخذت من الغراب قال : شدّة حذره - قيل فمن الخنزير قال : بكوره في حوائجه ، قيل : فمن الهرة قال : حسن نغمتها وتملقها لأهلها عند المسألة - ومن عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب وتحرّك بها النفوس وتصغي إليها الأسماع وتشحذ لها الأذهان ويعلم كلّ من له قريحة ، وفضل ومعرفة ان قائلها قد بلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية - فإنما غض من نفسه وطعن على معرفته واختياره .
« فان الحكمة انما تكون في صدر المنافق فتلجلج » أي : تدار وتردد .
« في صدره حتى تخرج » من صدره .
« فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن » قالوا : خرج ابن المبارك مرابطا فبينما يمشي في أزقة المصيصة إذ لقى سكران قد رفع عقيرته يتغنى ويقول :
أذلني الهوى وأنا الذليل * وليس إلى الذي أهوى سبيل