كان الطائر لا يلقط حبّة ثانية حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه فإنّما يختلسه اختلاسا لشدّة الحذر ، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ، ثم تنفذه إلى القانصة على مهل . وفي الحوصلة أيضا خلّة أخرى ، فإنّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزقّ فراخه فيكون ردهّ للطعم من قرب ، أسهل عليه ( 1 ) . « وأنشأ السحاب الثقال » وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رحَمْتَهِِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سقُنْاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 2 ) . « فأهطل » أي : تتابع وأدام « ديمها » مطرها الذي ليس فيه رعد ، ولا برق ، قال امرؤ القيس :
« وعدد قسمها » في ( توحيد المفضل ) : فكّر في الصحو والمطر كيف يتعاقبان على هذا العالم بما فيه صلاحه ، ولو دام أحدهما عليه كان في ذلك فساده ، ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر واسترخت أبدان الحيوان وحصر الهواء ، فأحدث ضروبا من الأمراض وفسدت الطرق والمسالك وإنّ الصحو إذا دام جفّت الأرض واحترق النبات وغيض ماء العيون والأودية ، فأضرّ ذلك بالنّاس وغلب اليبس على الهواء ، فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض ، فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ودفع كلّ واحد منهما عادية الآخر ، فصلحت الأشياء واستقامت ( 4 ) .