المقام الثاني : [ في اعتبار عدم وجود أمارة في مورد الاستصحاب ]
إنّه لا شبة ولا كلام في عدم جريان الاستصحاب مع وجود الأمارة المعتبرة في مورده ، كما لو كان الماء متيقن الطهارة ثم شك ببقاء طهارته ، ولكن قامت الأمارة على نجاسته أو على طهارته - في ظرف الشك - فعندئذ لا يجري استصحاب بقاء طهارته التي كانت متيقنة ، بل إنّ الجاري هو مؤدى الأمارة فنقول بنجاسته ان قالت بها ، وبطهارته ان قالت بها ، وهذا ممّا لا كلام فيه .
وإنّما الكلام في أنّ تقديم الأمارة على الاستصحاب هل كان لو رودها عليه ، أو لحكومتها عليه ، أو أن ذلك هو مقتضى التوفيق بين دليل اعتبار الأمارة مع خطاب ودليل حجية الاستصحاب .
والتحقيق : أنّ تقديم الأمارة عليه كان للورود ، وذلك لأنّ رفع اليد عن اليقين السابق بسبب قيام الأمارة المعتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل من نقض اليقين باليقين ؛ لأنّ الأمارة إمّا بنفسها تفيد اليقين على وفق مؤداها حقيقة أو تنزيلا ، وعليه فيكون رفع اليد عن اليقين بيقين حقيقي أو تنزيلي .
وإمّا كونها ممّا قام الدليل القطعي على حجيتها ، وعليه فيكون رفع اليد عن اليقين السابق بما هو متيقّن الحجية ، هذا بناء على كون المراد من اليقين في « لا تنقض اليقين بالشك » ليس خصوص القطع بل كل ما كان حجة ، أي لا يجوز نقض كل ما كان حجة بالشك ، وعلى هذا فعند قيام الأمارة لا يكون من نقض الحجة بالشك بل من نقض الحجة بالحجة .
وإنّ عدم رفع اليد عن اليقين مع قيام الأمارة على وفق اليقين السابق ، كما لو كان على يقين من طهارة الماء ثم شك ببقاء طهارته ، وقد قامت الأمارة المعتبرة على طهارته ، فإنّه هنا نبني على بقاء طهارته ، ولكن ذلك ليس لأجل أن لا يلزم من رفع اليد نقض اليقين السابق بالشك ، بل إنّ عدم رفع اليد عن اليقين السابق