بحت وجهل مجرّد وخساسة وذلّة وشقاوة ونقمة وهوان وخسران ، لا يموت الحيوان فيها ولا يحيى .
وأمّا الدنيا ؛ فهي محلّ نشو الثلاث المتأخّرة عنها ومادّة وجودها وهي عالم الكون والفساد ، وفيها خير وشرّ وحقّ وباطل وعقل وجهل ولذّة وألم - إلى غير ذلك من المتقابلات - يموت الحيوان فيها ويحيى ، فهي الحدّ المشترك بين عالمي الثواب والعقاب ، ليس بعذاب خالص ولا بنعيم خالص ولابدّ أن تفنى ؛ لأنّها لم تخلق لذاتها ، بل لتكون وسيلة إلى تحصيل الأخرى وتمتّعاً لها وبلغة إليها ، فلابدّ من انقطاعها ومصيرها إلى البوار بعد تميّز حقّها من باطلها وطيّبها من خبيثها ورجوع كلّ إلى معدنه
« لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ »
« 1 » .
والآخرة باقية أبداً ببقاء باريها وقيّومها ؛ لأنّها خلقت لذاتها لا لشيء آخر ، فهي محلّ الإقامة ودار القرار ، كما في التنزيل :
« إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ »
« 2 » .
[ 65 ]
كلمة : بها يتبيّن كيفيّة نشو الآخرة من الأولى
قال أهل المعرفة : إنّ الإنسان إنّما يتكوّن وينمو ويتمّ خلقته ويكمل خلقه باستحالات وانقلابات تطرأ على مادّته . ولا يمكن ذلك إلّابحرارة غريزيّة محلّلة ، وتلك الحرارة مستفادة من حركات الأجرام الفلكيّة المسخّرة بأمر اللَّه وأشعّتها - كما ثبت في مقامه - .
ثمّ إنّ استكمال نفس الإنسان بحسب كلتي قوّتيه النظريّة والعمليّة ، إنّما يتمّ بالحركات البدنيّة والفكريّة . والحركة تحتاج إلى الحرارة ، والحرارة والحركة متصاحبتان لا ينفكّ إحداهما عن الأخرى . وكما أنّ جميع الحركات في هذا العالم ينتهي إلى حركات الأفلاك سيّما الفلك الأقصى ، فكذلك جميع الحرارات الغريزيّة والأسطقسيّة تنتهي إلى « 3 » أضواء الكواكب سيّما ضوء الشمس ،
هامش
( 1 ) - الأنفال : 37 .
( 2 ) - المؤمن : 39 .
( 3 ) - مط : + حركات .