تقبيح :
ومن الناس من يزعم أنه بلغ من التصوف والتأله حدا يقدر معه أن يفعل ما يريد بالتوجه ، وأنه يسمع دعاؤه في الملكوت ، ويستجاب نداؤه في الجبروت ، يسمى بالشيخ والدرويش ، وأوقع الناس بذلك في التشويش ، فيفرطون فيه أو يفرّطون .
ومنهم من يتجاوز به حدّ البشر ، وآخر يقع فيه بالسوء والشر ، يحكي من وقائعه ومناماته ما يوقع الناس في الريب ، ويأتي في اخباره بما ينزل منزلة الغيب ، ربما تسمعه يقول : قتلت البارحة ملك الروم ، ونصرت فئة العراق ، وهزمت سلطان الهند ، وقلبت عسكر النفاق ، أو صرعت فلانا يعني به شيخا آخر نظيره ، أو أفنيت بهمانا ، يريد به من لا يعتقد فيه أنّه لكبيره .
وربما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج فيه أربعين يوما ، يزعم أنّه يصوم صوما ، ولا يأكل فيه حيوانا ولا ينام نوما ، وقد يلازم مقاما يردد فيه تلاوة سورة أياما ، يحسب أنّه يؤدي بذلك دين أحد من معتقديه ، أو يقضى حاجة من حوائج أخيه ، وربما يدّعي أنّه سخر طائفة من الجنة ، ووقى نفسه أو غيره بهذه الجنة ،
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
« 1 » . « 2 »
تبديع :
ومنهم : قوم تسمّوا باهل الذكر والتصوّف ، يدّعون البراءة من التصنّع والتكلّف ، يلبسون خرقا ، ويجلسون حلقا ، يخترعون الأذكار ، ويتغنون بالأشعار ، ويعلنون بالتهليل ، وليس لهم إلى
هامش
( 1 ) الآية 8 من سورة سبأ : 34 .
( 2 ) « زهر الربيع » ج 1 ، ص 206 ؛ « كلمات طريفة » ص 76 .