التهلكة كان أمراً قبيحاً عند العقل ، فهو بمعناه الكلّي أمرٌ يدركه العقل العملي ، وبصورته المجرّدة عن أيّة ملاحظة أو غرض يُتدارك به ذلك القبح . فلو ترتّبت على الإلقاء مصلحةٌ أوجبت حسنه ، لم يكن للعقل أن يعارض ذلك ، بل لا بدّ له أن يوازن بين ما يراه من القبح وما فيه من الحسن .
وبعبارةٍ أُخرى ليس ما يدركه العقل هُنا وفي صورة المعارضة للأغراض ، واجبالإطاعة والاتّباع ، وإنّما المتّبع هو الراجح من مصلحة الغرض أو مفسدة ما يراه العقل ، كالعكس فيما يدرك العقل حسنه ولكنّ الأغراض تبعده والشهوات تأباه !
والحاصل : إنّ درك العقل للحسن والقبح الذاتيّين وإن كان مسلّماً ، إلّاأنّ اتّباعه ليس واجباً ، والعمل عليه ليس متعيّناً إذا أحرز الإنسان مصلحته في مخالفته ، بعادةٍ أو عرفٍ أو شرعٍ .
وإذا علمنا بأنّ الأئمّة عليهم السلام إنّما أقدموا على القتل وتحمّل المصائب لأغراضٍ لهم - وهي الوجوه الّتي عرضنا بعضها وسنعرض بعضها الآخر - فلا أثر لحكم العقل في موردهم بقبح الفعل ، ولا بوجوب حفظ النفس ، بل قد يحكم بوجوب الإلقاء ، وحرمة المحافظة على النفس ، نظراً للأخطار العامّة والكبرى المترتّبة على حفظ النفس ، ولفوات الآثار المهمّة بذلك .
وهذان الأمران - الثاني والثالث - إنّما طرحهما الشيخ المجلسي على أثر الإفراط في الاستناد إلى العقل وحكمه ، إلى حدّ الاعتراض به على مسلّمات دينيّة وشرعيّة وتاريخيّة ، اعتماداً على فرضيات واحتمالات نظريّة بحتة ، لم يؤخذ فيها في النظر مسائل التوقيفات الشرعيّة ولا الآثار الواردة .
وهذا نظير ما اعتاد أن يلهج به صغار الطلبة من استخدام كلمة العقل ونقده ، والفكر وصياغته وتجديده ، والفلسفة والتبجّح بها ، على حساب الدين والشرع والتاريخ ، والعقيدة ومسلّماتها وأُصولها ، والغريب أنّ ذلك يتمّ باسم الدين ، وعلى يد من يتزيّى بزيّ أهل العلم والدين !
مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني — صفحة 99
مساهمون: اللجنة العلمية للمؤتمر
ص٩٩