ثمّ إنّ النبيّ والإمام عليهما السلام لم يكن بإمكانهما إبداء كلّ ما يعلمان والتصريح بكلّ شيء إلى من حولهما من الناس ؛ لاختلاف مقاماتهم في العقيدة والإيمان والالتزام والتصديق وقابلية الإدراك والتعقّل وسعة المعرفة وبعد النظر والتقوى والزهد في الشهوات ، ولذلك تجد اختلافاً في الخطابات الصادرة إليهم حسب مستوياتهم ، فليس بإمكان النبيّ والإمام التصريح بكلّ الحقائق لكلّ السامعين ، وليس من المفروض أن يقبل جميع السامعين ما يسمعون ، وكذلك ليس كلّ الناقلين أُمناء فيما ينقلون .
ومع هذه الحقائق لم يبق اعتماد على مثل هذه القضايا المبتورة بحيث تُردّ به الأخبار والآثار المتظافرة الواردة عن علم الأئمّة عليهم السلام بالغيب ، وإن صحّت ، فالنبيّ والإمام عليهما السلام مكلّفون أن يتصرّفوا ويتعاملوا مع الآخرين حسب ظواهر الأُمور والأسباب الطبيعيّة ، لا على أساس ما يعلمونه من الغيب .
إنّ من الغريب أن يحاول المغرضون مواجهة ما ورد من روايات علم الغيب بالإشكالات السنديّة ، ومعارضتها بمثل هذه القضايا الّتي لم تثبت حتّى بسندٍ ضعيفٍ ، وإنّما هي أخبارٌ تاريخيّةٌ لا يُعتمد على ناقليها في مجال القصص ، فضلًا عن مجال الأحكام والعقائد !
7 - وقد اعترضوا على علم الأئمّة عليهم السلام بالغيب أنّه يستلزم أن يكونوا قد أقدموا على إلقاء أنفسهم إلى التهلكة ؛ لأنّ خروجهم إلى موارد الخطر - مع علمهم بذلك - يلزم منه ما ذكر .
والإلقاء إلى التهلكة حرامٌ شرعاً بنصّ القرآن الكريم ، وحرامٌ عقلًا ؛ لأنّه إضرارٌ بالنفس ، وهو قبيحٌ . مع أنّه لا ريب في قُبح ما أجراه الظالم على أهل البيت عليهم السلام بل هو من أقبح القبيح ، فكيف يُقدم الأئمّة العالمون بقبحه عليه ؟ !
وقد أُجيب عن ذلك بوجوه :
الجواب الأوّل : إنّ هذا الاعتراض إنّما يتصوّر ويُفرض بعد الاعتقاد بعلم الأئمّة
مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني — صفحة 129
مساهمون: اللجنة العلمية للمؤتمر
ص١٢٩