وجه الاندفاع : إنّ علمهم بالحوادث علم بها من جهة ضرورتها ، كما هو صريح نفي البداء عن علمهم . والعلم الّذي هذا شأنه لا أثر له في فعل الإنسان ببعثه إلى نوع من التحرّز ، وإذا كان الخطر بحيث لا يقبل الدفع بوجهٍ من الوجوه ، فالابتلاء به وقوع في التهلكة ، لا إلقاء في التهلكة ! قال تعالى :
« قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ »
« 1 » » « 2 » .
أقول : وجوه النظر فيه عديدة ، هي :
1 - عدم فرضه أنّ ما وقعوا فيه ، ممّا عدّه الأغيار تهلكة وشرّاً وضرراً ، إنّما هو في اعتبار الأئمّة عليهم السلام خير وبرّ ورحمة ، كما هو عند الأخيار كافّة .
2 - فرضه أنّ ما جرى على الأئمّة من قبيل ضروري الوقوع ، واجب التحقّق ، وأنّه لا بداء فيه يقتضي الجبر ؛ لعدم تمكّنهم من التخلّص منه ، وهو منافٍ لصريح الروايات الدالّة على اختيارهم لما وقع ، وأنّهم لو شاؤوا لم يقع .
3 - وفرضه أنّ العالم بالضرر يجري في العمل مجرى الجاهل ، ينافي إثبات العلم لهم ؛ فإنّه لو فُقد أثره لم يفرّق في ذلك في مقام العمل بينه وبين الجاهل ، فمحاولة فرضه وإثباته لغو لا محالة .
4 - وفرضه أنّ علمهم لا بداء فيه ، مخالف للنصوص الدالّة على أنّهم يختارون ذلك رغبةً في لقاء اللَّه ورفضاً للحياة الدنيا ، مع تخييرهم في ذلك .
5 - وفرضه أنّ ما جرى عليهم وقوع في التهلكة ، ينافي إصرارهم عليهم السلام على ما أقدموا عليه ورفضهم لكلّ أنواع التحذيرات والتوسّل بهم لدفعهم على الامتناع ، كما أعلنت عنها السيرة الشريفة لكلّ منهم .
6 - وأمّا استشهاده بالآية ، فغير مرتبط بالمقام ؛ لأنّها :
هامش
( 1 ) . آل عمران : 154 .
( 2 ) . رسالة في علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام بالغيب للسيّد محمّد حسين الطباطبائي ، تحقيق رضا الأستادي ، طبع مع الرسائل الأربعة عشر ، جماعة المدرّسين - قمّ 1415 ه .