بل ترك له فراغاً كما عرفت ، وقد وفّقنا اللَّه لذلك في هذه الدراسة .
الثاني : ممّا ذكر - في هذه الرسالة ، وفي المقالة - ظهر ما في كلام السيّد الطباطبائي رضي الله عنه حول علم النبيّ والأئمّة عليهم الصلاة والسلام بالغيب ، في رسالته المفردة عن الموضوع ، حيث قال بعد تفريقه بين علم اللَّه وبين علم الأئمّة ، بالأصالة في الأوّل والاستقلالية به ، والفرعيّة في الثاني والتبعيّة به ، ما نصّه : « إنّ من المعلوم أنّ الإنسان الفعّال بالعلم والإرادة إنّما يقصد ما يتعلّق به علمه من الخير والنفع ، ويهرب ممّا يتعلّق به علمه من الشرّ والضرر .
فللعلم أثر في دعوة الإنسان إلى العمل ، وبعثه نحو الفعل والترك بالتوسّل بما ينفعه في جلب النفع أو دفع الضرر . وبذلك يظهر أنّ علم الإنسان بالخير ، وكذا الشرّ والضرر في الحوادث المستقبلة إنّما يؤثّر أثره لو تعلّق بها العلم من جهة إمكانها لا من جهة ضرورتها .
وذلك كأن يعلم الإنسان أنّه لو حضر مكاناً في ساعة كذا من يوم كذا قُتل قطعاً ، فيؤثّر العلم المفروض فيه ببعثه نحو دفع الضرر ، فيختار ذلك الحضور في المكان المفروض تحرّزاً من القتل .
وأمّا إذا تعلّق العلم بالضرر - مثلًا - من جهة كونه ضروري الوقوع واجب التحقّق ، كما إذا علم أنّه في مكان كذا في ساعة كذا من يوم كذا مقتول لا محالة ، بحيث لا ينفع في دفع القتل عنه عمل ، ولا تحول دونه حيلة ، فإنّ مثل هذا العلم لا يؤثّر في الإنسان أمراً ببعثه إلى نوع من التحرّز والاتّقاء ، لفرض علمه بأنّه لا ينفع فيه شيء من العمل ، فهذا الإنسان مع علمه بالضرر والمستقبل يجري في العمل مجرى الجاهل بالضرر .
إذا علمت ذلك ثمّ راجعت الأخبار الناصّة على أنّ الّذي علّمهم اللَّه تعالى من العلم بالحوادث لا بداء فيه ولا تخلّف ، ظهر لك اندفاع ما ورد على القول بعلمهم بعامّة الحوادث من : « أنّه لو كان لهم علم بذلك لاحترزوا ممّا وقعوا فيه من الشرّ ، كالشهادة قتلًا بالسيف ، وبالسمّ ؛ لحرمة إلقاء النفس في التهلكة » !
مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني — صفحة 121
مساهمون: اللجنة العلمية للمؤتمر
ص١٢١