ولو سلّمنا جدلًا مع القائلين بأنّ الكليني يثقّ بكلّ ما رواه - مع ما ذكرنا من أدلّة على بطلان هذه الدعوى - على افتراض أنّه روى روايات فيها معنى التحريف والنقيصة ، فالأولى بنا أن نأخذ أصحاب الصحاح بهذه التهمة ؛ لأنّهم صرّحوا بأنّ كلّ ما رووه صحيحاً على وفق شروطهم التي اشترطوها ، وهم قد رووا كثيراً من الأحاديث الضعيفة التي تقول بوجود تحريف في النصّ القرآني . وسنذكر باختصار أمثلة منها ؛ تجنّباً للإطالة ، ولأنّ الباحثين قد أسهبوا بحصر هذه الروايات « 1 » .
فمن القول بالزيادة ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عبّاس أنّه قرأ :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
- ولا محدّث -
إِلَّا إِذا تَمَنَّى »
« 2 » ، بزيادة « ولا محدّث » .
ومن النقصان ما في الإتقان بسنده عن ابن مسعود أنّه قرأ : « والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى » بحذف « وما خلق » « 3 » .
ومن التبديل في الألفاظ ما في مسند أحمد وصحيح الترمذي والمستدرك عن ابن مسعود أنّه قال : « أقرأني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين » « 4 » .
فلو جاز أن تُكال التهم للكليني بالقول بالتحريف ، لكان من باب أولى أن يقال هذا في أصحاب الصحاح ؛ لأنّهم ألزموا أنفسهم برواية كلّ حديث صحيح ، ولكن لم يقل أحد من علماء الشيعة أو السنّة بذلك ، فلِمَ هذا الكيل بمكيالين ؟ ! على حين أن الكليني لم يصرّح بوقوع التحريف ، كما لم يصرّح أحد من علماء الشيعة .
المبحث الثاني : قراءة استدلالية لمصاديق المقدّمة الثانية
هامش
( 1 ) . انظر : سلامة القرآن من التحريف ، الفصل الثالث : ص 100 وما بعدها .
( 2 ) . الحجّ : من الآية 52 .
( 3 ) . الإتقان : ج 1 ص 80 .
( 4 ) . مسند أحمد : ج 1 ص 394 ، صحيح الترمذي : ج 5 ص 191 .