كان أوّل من امتزج هجائه السياسي بطابع مذهبيّ وكان عنيفاً في هجائه للأمويين هجاءً سياسياً ومذهبياً في آنٍ واحد . ومما قاله فيهم : « 1 »
وَهَلْ أمّةٌ مُسْتَيقِظُونَ لِرُشْدِهِم * فَيَكشِفُ عَنْهُ النّعْسَةَ المُتَزَمّلُ « 2 »
فَقَدْ طَالَ هَذا النَّوْمُ وَسْتَخرَجَ الكَرَى * مَسَاوِيَهُم لَو أنَّ ذَا المَيلِ يَعْدِلُ « 3 »
وَعُطِّلَتِ الأحْكامُ حَتّى كأنَّنَا * على مِلَّةٍ غَيْرِ الَّتي نَتَنَحّلُ « 4 »
أأهْلُ كتابٍ نَحْنُ فِيهِ وَأنْتُم * عَلى الحَقِّ نَقْضِي بِالكتابِ وَنَعْدِلُ
فَكيفَ وَمِنْ أنّى وَإذْ نحنُ خِلْقَةٌ * فَرِيقَانِ شَتّى تَسْمَنُون وَنَهْزِلُ « 5 »
فَتِلْك وُلاةُ السُّوءِ قَدْ طَالَ مُلْكُهُم * فَحَتّامَ حَتّامَ العَنَاءُ المُطَوَّلُ
يصرخ الشاعر ويتساءل : هل الأمّة تستيقظ لأمر نفسها وتنهض من سكوتها وغفوتها فيخلع كلٌّ منها رداء خموله وجبنه وتكشف ما نزل بها من الجور والظلم ؟ وكأنّه يريد أن يوقظ الشعب من سباته العميق لِيُريهم أنّ الأحكام الإلهيّة أصبحت معطّلة ، ثمّ يتشكك فيما يدّعيه الأمويّون من العمل بالقرآن والأحكام ، إذ يقول : إذا كنتم تصدقون فكيف انقسم الشعب إلى فريقين : سمين وأخرى مهزول ؟ وهذا دليل على الشكوى من السياسة القائمة آنذاك كما أنّه يبيّن ظلم الأمويين لآل البيت ( ع ) ومعاملتهم معاملةً شاذة ، فهم يسمنون والهاشميون يهزلون فقراً وجوعاً وحرماناً ، ويصفهم بصفة السوء ويتمنّى زوال ملكهم .
وبعد أن اصطفّت الفرق والأحزاب السياسية ، وجّه شعراءها جهودهم للدّفاع عنها ، وهجوا مواقف الفرق والأحزاب الأخرى ووضعوها في بوتقة النقد ، وهنا أيضاً يلمع اسم الكميت
هامش
( 1 ) - الكميت بن زيد الأسدي ، شرح هاشميات الكميت ابن زيد الأسدي ، تحقيق : داود سلوم ونوري حمودي القيسي ، الطبعة 2 ، عالم الكتب ، مكتبة النهضة العربية ، 1986 م ، ص 147 .
( 2 ) - المتزمّل : النائم الملتفّ بثيابه . النّعسة : النّومة من النّعاس ، وهو السِّنة من غير نوم .
( 3 ) - الكرى : النّوم . المساوى : العيوب جمع مساءة . الميل : أراد الميل عن الحقّ والجور والظلم .
( 4 ) - نتنحّل : من النّحلة وهى الدعوى . الملّة : الدين .
( 5 ) - نحن خلقة : مختلفون . فريقان شتّى : طائفتان متباينتان . شتّى : متشتّتون .