يفضّلون المقطوعات الهجائية القصيرة ؛ وقد سئل ابن الزِّبَعري « 1 » « أنّك تقصِّر أشعارك فقال : لأنّ القصار أولج في المسامع وأجول في المحافل » . « 2 »
وسئل الحطيئة : « ما بال قصارك أكثر من طوالك ؟ قال : لأنّها في الآذان أولج وفي الأفواه أعلق » . « 3 » وقيل لعقيل بن علّفة « 4 » : « لم لا تطيل الهجاء ؟ فقال : يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق » . « 5 »
وقد أيّد ظاهرة المقطوعات الهجائية القصيرة ، وأكد شدّة تأثيرها في النفس وجهات نظر كثير من الشعراء والنّقاد رغم انقسام الشعراء إزاء المقطوعات إلى قسمين : « قسم كان يفضّل القصيدة القصيرة في أغراض الشعر جميعها ، وآخر كان يفضّلها في الهجاء فقط » . « 6 »
يتّضح مما ذكرنا أنّ هؤلاء الشعراء الثلاثة كانوا يدركون أهميّة الإيجاز والاختصار في الهجاء ، فهو أسرع انتشاراً ، فضلًا عن التشهير بالمهجوّ وتشويه سمعته بين الشّعب . إذ يتحقق ذلك بالألفاظ الموجزة والمعاني المركزة التي يستطيع الهجّاء من خلالها تحطيم خصمه وإسكاته لما له من وقعٍ شديد في النفس .
ظلّ الاعتماد على المقطوعات الهجائية القصيرة ظاهرة فنيّة بارزة يلحظها الدارس عند غالبية الهجّائين خلال فترة سلطة العباسيين ، وعند غيرهم من شعراء العصور السابقة ، وهو ما أشار إليه أحد الدارسين بقوله : « إنّ الشعراء مالوا منذ أوائل القرن الأول الهجري إلى
هامش
( 1 ) - هو عبد الله بن الزبعري بن سعد بن سهم ، من شعراء مكة الذين ناصبوا الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم العداء ؛ توفّي سنة 15 ه ( انظر : ابن سلام 1 : 233 ) .
( 2 ) - الحُصري ، ج - 2 ص 639 ؛ وابن رشيق ، ج - 1 ص 187 .
( 3 ) - أبو هلال العسكري ، الصناعتين ، تحقيق : علي محمد البجاوي ، الطبعة 2 ، مطبعة عيسى البابي الحلبي ، القاهرة ، 1971 م ، ص 179 .
( 4 ) - هو عقيل بن علفة بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عطفان يكنّى أبا الوليد توفي سنة 100 ه ( الآمدي 208 ) .
( 5 ) - السابق ، ص 179 .
( 6 ) - بكار ، ص 321 .