له من أنفته واعتداده بنفسه ما يمنعه من المديح وتلقي الهبات والمكافآت .
لقد نفينا عن الشاعر صفة المدّاح ولكنّ هذا لا يعني أنّه لم يمدح أحداً قطّ لقد مدح جعفراً وأحمد الهاشميين ، ولكن هذا المديح لا يثبت عليه صفة التكسب وإن كان يستعين بهما أحياناً في حلّ أزماته المالية . لقد كانت علاقته بهما علاقة صداقة حميمة وكان دائم التردّد عليهما في سَلَمية موطن إقامتهما ، لأنّهما كانا وجوه بني هاشم في بلاد الشام ، وكان ديك الجن شيعياً متحزباً لآل البيت فكان مديحه لهما ضرباً من الموقف السياسي إنّه يمدح آل البيت جميعاً في شخصيهما .
أدّى فساد الحياة السياسية في العصر العباسي إلى ضعف الأثر الديني في النفوس ، والحقيقة أنّ كثيراً من المسلمين بعدوا عن الدين القويم ، ولا شك أنّ ضعف العقيدة الدينية كان له الأثر الأعظم في العصر العباسي حيث كثرت المظالم والمفاسد . فلا عجب إذن أن يهاجم ديك الجن الأمراء والحكام وأصحاب الزعامة والسياسة متهماً إيّاهم بتورّطهم في هذا الأمر ، فلذلك نراه قد تطرّق إلى ذلك وجعل من هذه القضية موضوعاً رئيساً وهامّاً في هجائه السياسي وعمليته النقدية الإصلاحية ومضى ينتقد رجال الدين لأنّهم غفلوا عن أداء واجباتهم . له مقطوعة تناول فيها المسائل الدينية ورقّتها من خلال طابع ساخر : « 1 »
خَلِّ بَينِي وَبَيْنَ حُبِّ المُدَامِ * وَعْفِنِي مِنْ مَسَائِل ابْنِ سَلّامِ
أنَا مَالِي وَلِلصِّيامِ وَقَدْ حَا * نَ عَلَى المُسْلِمِينَ شَهْرُ الصِّيامِ
تَارِكاً لِلْجِهادِ وَالحَجِّ وَالعُمْ - * - رَةِ وَالحِلِّ رَاغِبَاً فِي الحَرَامِ
وَسْقِنِى يا أخَا المُدَامَةِ كأسَاً * مِنْك مَمْزُوجَةً بِماءِ الغَمَامِ
وَاقِفاً بَيْنَ فَتْكةٍ وَمُجُونٍ * رَاقِصَاً فِي الصَّلاةِ خَلْفَ الإمامِ
أنَا لا أطْلُبُ الحَلالَ لأنِّي * قَدْ وَجَدْتُ الحَرَامَ خَيْرَ طَعَامِ
قَدْ غَنِينا بِالرَّطْلِ عَنْ كلِّ حَقٍّ * فَلِهذا الشَّيطانُ يَرْعَى ذِمامِي
هامش
( 1 ) - ديك الجن ، الديوان ، ص 233 .