قائلًا : « 1 »
لَقَدْ ضَاعَ مُلْك النّاسِ إذْ سَاسَ مُلْكهُم * وَصِيفٌ وَأشْناسٌ وَقَدْ عَظُمَ الخَطْبُ « 2 »
وَفَضْلُ بنُ مَروانٍ سَيَثْلَمُ ثلْمَةً * يَظَلُّ لَها الإسْلامُ لَيسَ لَهُ شِعْبُ
وَهَمُّك تُركيٌّ عَليه مَهانَةٌ * فأنتَ لَهُ أمٌّ وَأنتَ لَهُ أبُ
إنّ هذه السخريات لفتات مستمرة تنبّه الأذهان إلى الأوضاع الفاسدة السائدة وتجدد مشاعر الكراهية للخلفاء وتذكى نار الغضب ، كما أنّها تدلّ على تذمّر الشاعر من حال الحكم وتسلّط الأتراك على الخلافة وتسيير الخلفاء حسب أهوائهم ، فلذلك يقول إنّ الناس ضاعت أمورهم ، وهذه لمأساة عظيمة .
لم يقصد دعبل من الأبيات المذكورة الجمال والمتعة الفنية ، بل يصوّر آلاماً لاذعة وأحزاناً تجيش في صدره بسبب ما آلت إليه الخلافة من التفكك والضعف ، والتي يجب أن تراعى فيها مصالح الشعب . يعتقد دعبل أنّ الخليفة أصبح العوبةً بيد الأتراك وقادتهم . أكد على ذلك القول أحد المؤرخين مبيّناً ذلك في قوله « أخذ نفوذ الأتراك يتزايد يوما بعد يوم حتّى استبدّوا بأمور الدولة ، وطغى سلطانهم على سلطان الخليفة ، فقد كان الخليفة بمعزل عن النصير أسيراً في قصره ، وإذا حاول الإبقاء على شئ من جلال الملك وهيبته تآمروا عليه وقتلوه على مرأى ومسمع من أهل بيته وذويه ، أما الدولة فقد اعتراها الكساد والفساد وهجر العلماء والأدباء بغداد إلى أقاليم أخرى حيث الأمن والسلامة » . « 3 » ونرى الشاعر يرسل إلى المعتصم أبياتاً بعد خروجه من بغداد مغضباً وفيها نشعر بالسخرية بوضوح تامّ . اسمعه يقول : « 4 »
هامش
( 1 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 103 .
( 2 ) - وصيف وأشناس : غلامان من الأتراك الذين جلبهم المعتصم ليستعين بهم على العرب والفرس ، وقد صارا فيما بعد من قوّاده المتنفذين .
( 3 ) - حجاب ، محمد نبيه . معالم الشعر وأعلامه في العصر العباسي الأول ، الطبعة 1 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1973 م ، ص 10 .
( 4 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 307 .