إنّنا حين ندرس حياة دعبل ونسمع كلمته المشهورة التي يقول فيها : أحمل خشبتي منذ خمسين سنة على عاتقي ولا أجد أحداً يصلبني عليها ، سرعان ما ندرك بوضوح أنّ السبب في لجوءه إلى السخرية لم يكن خوفه من السلطات الحاكمة بل يعود إلى أنّ الشاعر أراد بها أن يقارع الحكومة العباسية الزائفة ، وأن يهيّئ الأجواء حتّى ينتشر هجاؤه السياسي أكثر فأكثر ، لأنّ الكلام إذا امتزج بالسخرية يتعلّق بالنفس بسرعةٍ بالغة ويبقى أمداً طويلًا .
والملاحظة الهامّة التي تجدر بالإشارة هي أن خلفاء بني العباس كانوا يحاولون اجتذاب الشعراء والأدباء لدعم سلطتهم وتأييد نظريتهم الوراثية في الخلافة من جانب ، وليكونوا بمنأى عن خصوم الخلافة من جانب آخر ، وكان هارون الرشيد في طليعة أولئك ، فلمّا فطن دعبل لخطّة الرشيد سرعان ما انقلب وكشف حقيقة خطّته بقوله : « 1 »
وَعاثَتْ بَنُو العبّاسِ فِي الدّينِ عَيْثَةً * تَحَكمَ فِيهِ ظَالِمٌ وَظَنِينُ
وَسَمُّوا رَشِيدَاً لَيسَ فِيهِم لِرُشْدِهِ * وَها ذَاك مَأمُونٌ وَذاك أمِينُ
فَمَا قُبِلَتْ بِالرُّشدِ مِنهُم رِعايَةٌ * وَلَا لِوَلِىٍّ بِالأمَانَةِ دِينُ
رَشِيدُهُم غاوٍ وَطِفْلاهُ بَعْدَهُ * لِهَذَا رَزَايَا دُونَ ذَاك مُجُونُ
وأىّ سخريةٍ أبلغ وأقسى من هذا ؟ فالشاعر لا يسخر في الأبيات السابقة من قضية عدم النضج السياسي عند هارون الرشيد فقط ، بل تتعدى سخريته إلى الوضع الذي آلت إليه الأمور ، فالخليفة ضالٌّ وكذلك ابناه ، وهما يخونان الدين الذي هو أمانة بأيديهما . كل ذلك أدّى إلى تدهور الأمور والبلاد ، وأين الشعب من كل ذلك ؟ الشعب في حالة ضياع وظلم ، فكيف يستطيع هذا الشعب أن يشكو أمره وأن يبلغ سؤله ، وسلطانه لم يبلغ بعد . كانت هذه السخرية سلاحاً في محاربة الظلم والفساد ومقاومة الجور والطغيان أو على الأقل كانت تلفت الحكام إلى مثل هذه الأوضاع .
ومن الأحداث الخطيرة التي واجهها هذا العصر وظفرت باهتمام المؤرخين خلافة إبراهيم
هامش
( 1 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 289 .