بن المهديّ . بعد أن قُتِلَ الأمين في بغداد كان المأمون لا يزال في طوس التي اتخذها عاصمة له فرشّحت حاشية القصر في بغداد عمّ المأمون المغنّي المشهور إبراهيم بن المهديّ للخلافة . نرى دعبلًا يصوّر هذه الحادثة في شعره قائلًا : « 1 »
نَعَرَ ابنُ شَكلَةَ بِالعِراقِ وَأهْلهِ * فَهَفَا إلَيهِ كلُّ أطْلَسَ مَائقِ « 2 »
إنْ كانَ ابْرَاهيمُ مُضْطَلِعاً بِها * فلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لمُخَارِقِ « 3 »
وَلْتَصْلُحنْ مِنْ بَعدِ ذَلك لِزَلْزلٍ * وَلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعدِهِ لِلْمَارِقِ
أنّى يَكونُ وَلَيسَ ذَاك بِكائِنٍ * يَرِثُ الخِلافَةَ فَاسِقٌ عَنْ فَاسِقِ
فقد هاجم دعبل كُلّ من بايع إبراهيم ، واتّهمهم بالطيش والحمق ، وأنكر عليهم تسليم الخلافة لفاسق ، ويعتقد أن معظم الخلفاء العباسيين فاجرون فاسقون ، وأمّا البيتان الأخيران فهما بيتا هزء وسخرية فإذا صحّت الخلافة لإبراهيم ، فولاية العهد تكون لمخارق وتصلح فيما بعد لزلزل والمارق ، وكلهم من مغني ذلك العصر ، وقد استمدّ الشاعر جرأته من تشيّعه وحبّه لآل البيت ، وهو دافع أساسي وراء هذه السخرية .
ونرى دعبل يتناول تلك المسألة في مقطوعة أخرى ، وكأنّه يريد أن يحطم هيبة الخلافة العباسية ويقرنها بالعبث والفسق والانحلال ، ويحيل خلافة بني العباس التي زعموا أنّها جاءت لنصرة الدين خلافةً كتابها المزهر . اسمعه يقول : « 4 »
يا مَعْشَرَ الأجْنَادِ لاتَقْنَطُوا * وَرْضُوا بِمَا كانَ وَلا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ تُعْطَوْنَ حُنَيْنِيَّةً * يَلْتَذُّها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ « 5 »
وَالمعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكم * لا تَدْخُلُ الكيْسَ وَلاتُرْبَطُ
هامش
( 1 ) - السابق ، ص 244 .
( 2 ) - نَعَرَ : صاح . ابن شكلة : إبراهيم بن المهدي عمّ المأمون . هفا : أسرَعَ . أطلس : الأسود أو الأمرد . مائق : الأحمق .
( 3 ) - مُخارَق ، زلزل ، المارق : هؤلاء الثلاثة كانوا من المغنين في العصر العباسي ( انظر : ابن خلكان 1 : 21 ) .
( 4 ) - السابق ، ص 219 .
( 5 ) - حنينية : يعني ألحاناً حنينية ( نسبة إلى حنين الحيري ) المغنّي . الشمط : الشّيب .