أوصى المأمون بطرد يحيى بن أكثم بسبب مخالفة يحيى للمأمون في موضوع خلق القرآن ، فظلّ يحيى في خلافة المعتصم بعيداً عن سطور التاريخ ، ثمّ عاد إلى الأضواء في خلافة المتوكل الذي أعاد سطوة أهل الحديث وأهل السنة ، فعزل المتوكل القاضي المعتزلي ابن أبي دؤاد عن المظالم عام 237 ه وولّى يحيى بن أكثم المظالم وقضاء القضاء . « 1 »
ولمّا غضب المتوكل على القاضي يحيى بن أكثم وعزله من القضاء بسبب ظهور فساده ونفاه إلى مكة ، استغلّ دعبل هذه المناسبة فهجاه هجاءً قبيحاً إذ سمّاه كلباً لا ينفع فيه الصنيع ، فقال يهجوه وقد أظهر قدرةً لغويةً وفنيّةً كبيرةً في تصوير مهجوّه : « 2 »
رُفِعَ الْكلْبُ فَاتَّضَعْ * لَيسَ فِي الْكلْبِ مُصْطَنَعْ
بَلَغَ الغَايَةَ الَّتِي * دُونَهَا كلُّ مُرْتَفَعْ
إنَّمَا قَصْرُ كلِّ شَئٍ * إذَا طَارَ أنْ يَقَعْ « 3 »
قُلْ لِيَحْيَى بْنِ أكثَمٍ * إنَّ مَا خِفْتَ قَدْ وَقَعْ
لَعَنَ اللهُ نَخْوَةً * كانَ مِنْ بَعْدِهَا ضَرَعْ « 4 »
شبّه الشاعر قاضي القضاة بالكلب ، وفي ذلك منتهى التحقير له ، ثمّ يحذّر النّاس منه ويقول : إنّ الكلب ليس لديه عمل محمود ، فلذلك يجب أن يتحاشى منه ، ثمّ يشير إلى أنّ مهجوّه قد بلغ الذروة ووقع كلّ شئ تحت رجله ، وهذا كنايةٌ عن شدّة قدرته واستطاعته على العمل . ولابدّ أنّ غاية كلّ شئ إذا بلغ القمّة ، أن ينزل ويستقرّ في مكانه الأول . وهنا يبشّر دعبل القاضي بأنّ ذلك قد حدث له وسقط من الأوج إلى نهاية الحضيض والرذالة .
وهجاء دعبل السياسي في يحيى بن أكثم كان ناجماً عن الإحساس بالقهر والظلم فلذلك دخل في غرضه مباشرة ولم يلتزم بأيّ لون من ألوان المقدّمات المعروفة كذكر الأطلال أو
هامش
( 1 ) - انظر : الطبري ، ج - 8 ص 185 - 187 .
( 2 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 223 .
( 3 ) - قصر كلّ شئ : غايته .
( 4 ) - الضّرع : الذّلّ .