ثمّ انضمّت إلى أعدائه في كثير من المواقف فأخذ يشهّر بتمزّقها بين القبائل : « 1 »
أبَا عَبْدِ الإلَهِ أصِخْ لِقَوْلِي * وَبَعْضُ القُوْلِ يَصْحَبُهُ السَّدَادُ « 2 »
تَرَى طَسْمَاً تَعُودُ بِهَا اللَّيالِي * إلَى الدُّنيَا كمَا رَجَعَتْ ايَادُ « 3 »
قَبَائِلُ جُذَّ أصْلُهُمُ فَبَاذُوا * وَأوْدَى ذِكرُهُمْ زَمَنَاً فَعَادُوا « 4 »
بدأ الشاعر قصيدته الهجائية بمخاطبة مهجوّه وقال : اسمع كلامي فإنّه مقرون بالسّداد والصّواب ، وبهذا أراد أن يمهّد أرضيةً ملائمة للنّيل منه فتطرّق إلى القبائل البائدة قبل قرون متسائلًا أبا دؤاد هل رجعت طسم إلى الحياة كما رجعت إياد ؟ إلّا أنّ الاستفهام هنا إنكاري فلذلك أنكر الشاعر ذلك المعتقد قائلًا : تلك القبائل انمحت أنسابهم وزالت آثارهم قبل قرون عديدة . وجدير بالذكر أنّ قبيلة الشاعر قبيلة عدنانية وليست بائدة ولكنّ دعبلًا أراد أن يلحقها بمن ذهبوا في الزوال والإضمحلال . إنّ هجاء دعبل يتضمن في الواقع فلسفة الهجاء العربي كلّه بحيث يَعدّه محكم الجوانب ويهيّؤه إلى من يستحقّه ، وهنا استطاع الشاعر بتشبيهاته القريبة وعناصر تشكيله المألوفة أن يوجع عدوّه ، ويصيب منه مقتلًا ، فحقّر من شأنه ، وهوّن من أمره إذ شبّه قبيلة المهجوّ في كثرة التناسل بالجراد وتبييضه في الرّمل : « 5 »
وَكانُوا غَرَّزُوا فِي الرَّمْلِ بَيْضَاً * فَأمْسَكهُ كما غَرَزَ الجَرَادُ « 6 »
فَلمَّا أنْ سُقُوا دَرَجُوا وَدَبُّوا * وَزَادُوا حِينَ جَادَهُمُ العِهَادُ « 7 »
هامش
( 1 ) - السابق ، ص 166 .
( 2 ) - أبا عبد اله : كنية ابن أبي دؤاد . أصخ : أنصت . السداد : الصواب .
( 3 ) - طسم قبيلة من العرب البائدة ، قال صاحب مروج الذهب " وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم ولم يبق من العرب إلّامن كان من عدنان وقحطان ، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم " ( المسعودي مروج الذهب 2 : 51 ) .
( 4 ) - جذَّه - جذّاً : كسره ، أو قطعه . فهو جذيذ ، ومجذوذ . باد - بيداً : هلك وانقرض . أودى : هلك .
( 5 ) - السابق ، ص 167 .
( 6 ) - غرزت الجرادة وغرّزت في الأرض : أثبتت بيضها .
( 7 ) - العهاد : والمفرد عهد وعَهدَة : أول مطر الربيع .