جوره دفعت الشاعر على هجائه . اسمعه يقول : « 1 »
إنَّ هَذَا الَّذِي دُؤَادٌ أبُوهُ * وَإيَادٌ قَدْ أكثَرَ الأنْبَاءَ
سَاحَقَتْ أمُّهُ وَلاطَ أبُوهُ * لَيْتَ شِعْرِي عَنْهُ فَمِنْ أيْنَ جَاءَ « 2 »
جَاءَ مِنْ بَيْنِ صَخْرَتَيْنِ صَلودَيْ - * - نِ عَقَامَيْنِ يُنْبِتَانِ الهَباءَ « 3 »
لا سِفَاحٌ وَلانِكاحٌ وَلا مَا * يُوجِبُ الأمِّهَاتِ وَالآبَاءَ « 4 »
يقول الشاعر إنّ النّاس كثيراً ما يتحدّثون عن القاضي أحمد بن أبي دؤاد ، وإلى هنا يظنّ القارئ أنّ الحديث يجري حول عدله ، لكنّ دعبلًا عاد قائلًا إنّ حديثهم يدور حول ولادته وما شاع بين النّاس من عُقم والديه ، ومايعملان من الأفعال الشنيعة ، ثمّ يتسائل : إذا لم يكن هناك زواج بين والديه فمن أين ولد ابن دؤاد ؟ قدّم دعبل في البيت الثاني نبذةً بسيطة عن سلوك الوالدين ليفهم معنى استفهامه وليعطي الجواب مقدّماً ، فهو حين يسأل في الشطر الثاني يقرر أنّ مجيئه كان بطريقةٍ غير مشروعة ، ونلاحظ مدى براعة الشاعر في تركيب الجمل وترتيبها ليوصل المعنى الذي يريد أن يقوله صراحةً وذلك عن طريق الاستفهام الإنكاري .
حاول الشاعر في المقطوعة السابقة أن ينال من نسب المهجوّ إذ رأى أنّ انتساب المهجوّ إلى قبيلة إياد غير معترف به ، فلذلك اتّبع أساليب الشعراء في الجاهلية وما شاع في هجاءهم من الفحش المقذع واستعمال لغة لاذعة حادّة خرجت عن إطار الخلق القويم . ولعلّ السبب يرجع إلى أنّ أحمد بن أبي دؤاد كان من أدوات وأعوان السلطة العباسية الحاكمة يومئذٍ .
وفي القصيدة الدالية الثانية التي هجاه بها قد استغلّ دعبل أقوال النسابين في قبيلته إياد - قبيلة القاضي - وقد ندّد بموقفها السلبي من الإسلام إبّان ظهوره ، إذ كانت تعاديه أوّل ظهوره
هامش
( 1 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 94 .
( 2 ) - المساحقة : مداعبة النساء للنساء . لاط الرجل : عمل عمل قوم لوط .
( 3 ) - رجل عقيم وعقام : لا يولد له . صلود : وصف من صَلَدَ للمبالغة بمعنى الصّلب . الهباء : التراب الذي تُطيره الريح ويلزق بالأشياء . والهباء من النّاس : القليلو العقل . والمراد في البيت هذا المعنى .
( 4 ) - السِّفاح : الزنى .