يا جبالَ الأجيال والدهر يعدو * للفنا وهي في البقا مستقرَه
وقفتْ والزمان يمشي عليها * راكضاً وهي في الفلاة مُشمَخِرَّه
قد سبقن الشّعرىَ العبور عبوراً * لجّةَ الكون واحترزن المجَرَّه
هي مثل الحديد صمٌّ ولكن * قد كستها الأشجارُ أيْنعَ خضرَه
وينابيعُها تفيضُ زلالًا * صفّق الريحُ بالعذوبة نهرَه
وعليها الطيورُ تَشْدُوْ بلحنٍ * جالبٍ للثَّكول كلَّ مسرَّه
نطحت جبهةَ السماءِ ولاحت * في جبين التأريخ للأرض غُرَّه
وحدةٌ والسيول قد فرَّقتها * قطعاً فهي وحدةٌ وهي كثرَه
كلُّ طودٍ كالشيخ قد غالب الكونَ * عِراكاً فقوّس الدهرُ ظهرَه
* * *
سائلوها عن الملوكِ الخوالي * أين تيجانُها وأين الأسِرَّه
قصرُ شيرين هاهنا وعليها * ذاب ( فرهاد ) حسرةً بعد حسرَه
كم ملوكٌ تنعَّمتْ في ذُرَاها * ثم راحت في عالم الذرِّ ذرَّه
بهذي الشعاب كم عاش شعبٌ * قد جهلنا حتى ينام وذكرَه
أين ساسان والسلاطينُ منه * ملاؤا الأرضَ بسطَ علمٍ وقُدرَه
قد أقمنا بها زماناً نَعُمْنا * بردَه والعراقُ يلفح حَرَّه
نحن في الصيف والشتاء علينا * قارصٌ يجلب الأذى والمضرَّه
خيرُ أوقاتنا الظهيرةُ فيها * نتسلّى ظهرَ النهارِ وعصرَه
أوقفتنا تلك الجبالُ حيارى * نتحرّى سرّ الجلال وسِفْرَه
يذهب الفكرُ صاعداً ثم يهوي * واجداً في طريقه كلَّ عِبْرَه
* * *
يا بديعَ الجمال في كلّ قلبٍ * نورُ ذاك الجمال أودع حمرَه
قد سقتنا تلك الشمائل كأساً * فسكرنا ولم نَذُق قطّ خمرَه
إن هذا الوجود بحرٌ ولكن * أين من في الوجود يسبر قعرَه
ولهذي الأكوان لبٌّ ولكن * ما عرفنا حتى لحاه وقشرَه
ولهذي الحياة معنىً ولكن * عَلَّنا بالممات نعرف سرَّه