ولم يبق حولَ الدار إلا ثُمَامُها * ونُؤْياً بها قد غيَّرته الرواعدُ
وقفتُ بها والدمعُ أدمىَ محاجري * أناشدُ رَسْماً عزَّ فيه المناشدُ
وأسألُها عن ساكنيها وإنها * وإن جاوَبَتْ لم تشفِ ما أنت واجدُ
فيزدادُ مابي عن كآبةِ ثاكلٍ * يؤجِّج في أحشائه النارَ واقدُ
كأني بفتيانٍ تداعَتْ إلى الرَّدى * ورحبُ الفلا بالخيل والجند حاشدُ
عوابسُ تعدوا للحفاظ كأنها * لدى الرَوْع في الهَيْجا ليُوثٌ لوابدُ
نفوسُ العدى في الكون حرباً رماحهُم * وحَرْباءُ شمس المُرْهِفَات الأماجدُ
يخوضون تيَّارَ الوغَى بصوارمٍ * وأعلامِ خطّ سالمتها الشدائدُ
إلى أن بَرَتْ بيضُ الصِّفاحِ أكفَّهم * ولم يبق إلا أذرعٌ وسَوَاعدُ
أقامتْ بجنب النهر صرعىَ جسومُهم * عليها من النَّقْع المطلّ مجاسدُ
وأقْبَلَ كالليثِ العبوسِ بمرهفٍ * همامٌ على ظهر المُطَهَّم ماجدُ
ينازل لَجْباً في الهياجِ يقودُه * من الحِقْد عن غَدْرِ السقيفةِ قائدُ
به أحدقَتْ من آل حربٍ كتائبٌ * يضيق الفضا عنها وقلَّ المساعدُ
ويسطو وليلُ النَّقْع أرخىَ سُدُولَه * وسُحْبُ الظبا تَهْمي وعزّ المجاهدُ
ويَرْنُو جسوماً في الهجير كأنَّها * نجومٌ على وجه الصعيدِ رَوَاكدُ
فيدعو بني الزهراء طَوْراً وتارةً * يكابدُ من أعدائه ما يكابدُ
فلهفي له يَلقىَ الكتائبَ ظامياً * إلى أن قضىَ وَالماءُ جارٍ وراكدُ
فَأبْرَزنَ ربّاتُ الخدور حَوَاسراً * وللأسر في أعناقهنَّ قلائدُ
تحنُّ فتهوىَ الشاهقات لنَدْبِها * وتدعو فيُثنيها عن النَّوْح ذائدُ
فلا حنَّتِ الخمسُ الظماءُ حنينَها * ولا مثلها في النَّوْح ناحَ الفواقدُ
أريعَتْ عن الأستارِ بعد حميّها * كما رِيْعَ في وَكْرِ المَهَامِه واجدُ
تحومُ على القتلى كحَوْم حَمَامةٍ * لدى الدَّوْح جلَّاها عن الوَكْر صائدُ
دعتْ فأهْوت فوقَ الهجيرِ عَواكفاً * على التُّربِ للبيضِ الرِّقاقِ موائدُ
فقوموا بني الكرَّار عن كلّ مرهفٍ * وأبيضِ وَضّاحٍ جَفَتْها المغامدُ