بالرغم من تهيئة أسباب الشهرة له لو كان يريد الوصول إلى المآرب النفسية التي يسعى للوصول إليها كثير من أبناء الدنيا « 1 » .
نقل صديقنا الثقة المرحوم السيد محمد النبوي الدزفولي - وكان كبير علماء دزفول حين نقل ما نكتبه عنه - عن الحاج درعلي دري التستري الذي كان معروفاً بالتقوى والصدق والأمانة ، أنه في سفر ذهب إلى العتبات المقدسة مع قافلة التحق بهم شيخ كان يهتم بخدمتهم وقضاء بعض حوائجهم ، وعند ما يفرغ من مساعدة الزوار يخرج دفتره ويشتغل بالكتابة ، ولما وصلنا إلى كربلاء سألنا الشيخ : هل نقصد الإقامة في منزل خاص ؟ فعرف أننا غرباء لا نعرف أحداً ولا نهتدي إلى سبيل ، فكان دليلنا حتى وجدنا بيتاً للسكن أيام الإقامة في الحائر ، وكان يساعدنا في حمل ونقل بعض الأثاث عند الفحص عن المنزل . ولما استقر بنا المكان أراد أن يودعنا لينفصل عنا ، ففكرنا أن نقدم له مبلغاً لأنه ساعدنا طول طريق السفر ونقل الأمتعة وتحمل الأتعاب لنا ، فأبى كل الإباء عن أخذ المبلغ وذهب مفارقاً لنا . يقول التستري : ذهبت في بعض الأيام إلى الحرم الحسيني الشريف فوجدت اجتماعاً في زاوية من الرواق ، ولما دنوت منهم وجدت الشيخ الذي كان معنا يتوسط الجمع وهم محتوشون به يسألونه عن مسائل دينية مع غاية الاحترام له ، فسألت بعض من هناك عنه فقال : إنه الشيخ عباس القمي .
أقول : هكذا يتواضع أهل اللَّه الموقنين بالمبدأ والمعاد حقاً ، يخدم الشيخ زوار الحسين عليه السلام - من دون أن يعرّفهم بنفسه - مع مكانته في العلم والدين ، يخدمهم في الطريق إلى أن يصلوا إلى المقصد لا لشي إلا للتقرب إلى اللَّه تعالى بخدمة الزائرين المؤمنين .
مكانته عند عارفيه :
كان الشيخ صاحب الترجمة في موضع الإكبار والتجليل عند كل من عرفه من معاصريه ، وهو عند المترجمين له مقدَّر موصوف بجمل تنمّ عن غاية الاحترام لموقعه الديني والعلمي .
قال الشيخ آقا بزرك ضمن ترجمة الشيخ القمي :
« إن صلتي بالمترجَم له كانت أوثق من صلاتي بغيره ، حيث كنا نسكن غرفةً واحدةً في بعض
هامش
( 1 ) . في مستدركات أعيان الشيعة أن الشيخ كفّ بصره . وليس هذا بصحيح .