حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة ، فنزلت « القادسيّة » فإذا شابّ حسن الوجه ، شديد السمرة ، عليه ثوب صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً عن الناس ، فقلتُ في نفسي : هذا الفتى من الصوفيّة يريد أن يكون كَلّاً على الناس ، واللَّه لأمضينّ إليه وأُوبّخه ، فدنوتُ منه ، فلمّا رآني مقبلًا ، قال : يا شقيق !
« اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »
! فقلتُ في نفسي : هذا عبدٌ صالح قد نطق على ما في خاطري ، لألحقنّه ولأسألنّه أن يحلّلني ، فغاب عن عيني . فلمّا نزلنا « واقصة » ، ( إذا به يصلُي ) وأعضاؤه تضطرب ، ودموعه تتحادر ، فقلت :
أمضي إليه وأعتذر ؛ فأوجز في صلاته ، ثمّ قال : يا شقيق ،
« وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »
فقلت : هذا من الأبدال قد تكلّم على سرّي مرّتين .
فلمّا نزلنا « زبالة » إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماءً ، فسقطت الركوة في البئر ، فرفع طرفه إلى السماء ، وقال : أنتَ ربّي إذا ظمئتُ إلى الماء ، وقُوتي إذا أردتُ الطعام ، يا سيّدي ما لي سواها ! قال شقيق : فو اللَّه لقد رأيتُ البئر قد ارتفع ماؤها ، فأخذ الركوة وملأها وتوضّأ وصلّى أربع ركعات ، ثمّ مال إلى كثيب رمل هناك ، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب ، فقلتُ : أطعِمني من فضل ما رزقك اللَّه وأنعم اللَّه عليك ! فقال : يا شقيق ، لم تزل نعم اللَّه علينا ظاهرة وباطنة ،