تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد ( قسم الإلهيات ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
بالكفر وغيره من القبائح ، ولا ينفعهم الاعتذار « 1 » بوجوب الرضا به من حيث
هامش
( 1 ) . جواب عن اعتذار الخصم الذي يفسر القضاء بالخلق والإيجاد ، بأنّه يمكن الجمع بين الأمرين ، بانّ الرضا بالكفر له وجهين : فمن حيث إنّه فعل اللَّه نرضى به ومن حيث إنّ العبد يكسبه فلا نرضى به ، فأجاب بما في الشرح ، وحاصله : أنّ الكسب إذا كان بقضائه عاد المحذور وهو الرضا بالكفر ، وإن لم يكن بقضائه انخرقت قاعدة أُخرى وهي استناد كل ما في الكون إلى قضائه . ثمّ إنّه ربّما يتوهّم الجبر حتى على التفسير الثالث ويتصوّر أنّ علمه السابق موجب للإلجاء . ولكنّه مردود بأنّ علمه سبحانه لم يتعلق بصدور أيّ أثر من مؤثره على أيّ وجه اتفق ، وإنّما تعلّق علمه بصدور الآثار عن العلل مع الخصوصية الكامنة في نفس تلك العلل . فإن كانت العلّة علّة طبيعية فاقدة للشعور والاختيار أو واجدة للعلم فاقدة للاختيار ، فتعلّق علمه سبحانه بصدور فعلها وأثرها عنها بهذه الخصوصية ، أي أن تصدر الحرارة من النار من دون أن تشعر فضلًا عن أن تريد ، ويصدر الارتعاش من الإنسان المرتعِش عن علم ولكن لا عن إرادة واختيار . ، فالقول بصدور هذه الظواهر عن عللها بهذه الخصوصية يستلزم انطباق علمه على الواقع وعدم تخلفه عنه قيد شعرة . وإن كانت العلّة عالمة وشاعرة ومريدة ومختارة كالإنسان فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية ، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية ، لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلف عنه ، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور ، أو بلا اختيار وإرادة فعند ذلك يتخلَّف علمه عن الواقع . فنقول توضيحاً لذلك : إنّ الأعمال الصادرة من الإنسان على قسمين : قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة كأعمال الجهاز الدموي والجهاز المعوي وجهاز القلب ، التي تتسم في أفعال الإنسان بسمة الأعمال الاضطرارية غير الاختيارية . وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار ، ويتسم بسمة الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية كدراسته وكتابته وتجارته وزراعته . وعلى ما سبق من أنّ علم اللَّه تعالى تعبير عن الواقع بما لا يتخلف عنه قيدَ شعرة ، فتقع أعماله مورداً لتعلق علم اللَّه بها على ما هي عليه من الخصائص والألوان ، فتكون النتيجة أنّه سبحانه يعلم من الأزل بصدور فعل معين في لحظة معينة من إنسان معين إمّا بالاضطرار والإكراه ، أو بالاختيار والحرية ، وتعلّق مثل هذا العلم لا ينتج الجبر ، بل يلازم الاختيار ، ولو صدر كل قسم على خلاف ما اتّسم به ، لكان ذلك تخلفاً عن الواقع .