تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد ( قسم الإلهيات ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
والتعاون ، لأن الأغذية والملبوسات أُمور صناعية يحتاج كل منهم إلى صاحبه في عمل يستعيضه عن عمله له حتى يتمّ كمال ما يحتاج إليه ، واجتماعهم مع تباين شهواتهم وتغاير أمزجتهم واختلاف قواهم المقتضية للأفعال الصادرة عنهم مظنة التنازع والفساد ووقوع الفتن ، فوجب وضع قانون وسنّة عادلة يتعادلون بها فيما بينهم . ثمّ تلك السنّة لو استند وضعها إليهم لزم المحذور ، فوجب استنادها إلى شخص متميز عنهم بكمال قواه واستحقاقه للانقياد إليه والطاعة له ، وذلك إنما يكون بمعجزات تدل على أنّها من عند اللَّه تعالى . ثمّ من المعلوم تفاوت أشخاص الناس في قبول الخير والشر والرذائل والنقصان والفضائل بحسب اختلاف أمزجتهم وهيئات نفوسهم ، فوجب أن يكون هذا الشارع مؤيَّداً لا يعجز عن إحكام شريعته في جمهور الناس بعضهم بالبرهان وبعضهم بالوعظ وبعضهم بتأليف القلب وبعضهم بالزجر والقتال . ولما كان النبي لا يتفق في كل زمان وجب أن تبقى السنن المشروعة إلى وقت اضمحلالها واقتضاء الحكمة الإلهية تجديد غيرها ، ففرضت عليهم العبادات المذكرة لصاحب الشرع وكررت عليهم حتى يستحكم التذكير بالتكرير ، فيحصل لهم من تلقي الأوامر والنواهي الإلهية منافع ثلاث : إحداها : رياضة النفس باعتبار الإمساك عن الشهوات ومنعها عن القوة الغضبية المكدرة لصفاء القوة العقلية . الثانية : تعويد النفس النظر في الأُمور الإلهية والمطالب العالية وأحوال المعاد والتفكر في ملكوت اللَّه تعالى وكيفية صفاته وأسمائه وتحقق فيضان الموجودات عنه تعالى متسلسلة في الترتيب الذي اقتضته الحكمة الإلهية