أنّ الأيّام كانت كثيرا ما تردّني عن هذه المطالب وتصدّني عن هذه المآرب ، بل ما انتهزت الفرصة في مسلك من المسالك إلّا وحصل لي منها دافع عن ذلك ومانع يمنعني عمّا هنالك ، فلم تزل سفن الهموم تسير بي في بحار الغموم ، وتقعدني عمّا عليه ألوب « 1 » وأحوم .
فلعمري ، لو نال أحد من أقراني بعض ما أنا نائله من زماني لاشتبه عليه الحقّ بالباطل والصحيح بالعاطل ، ولما اهتدى إلى معرفة الخطأ من الصواب ، ولا إلى الفرق بين السؤال والجواب ، فطفقت « 2 » أطلب هل أجد خلاصا من ذلك المحذور ، ومناصا من الهموم التي تتردّد على خاطري وتدور ؟ فلم أر إلّا أن أضرب عنها صفحا ، وأطوي دون مرادها كشحا « 3 » ؛ لعلّي أجد فرصة من الفرص وإن كثر تجرّع الغصص .
فسألت اللّه التوفيق إليه لمّا صمّم عزمي عليه ، وعدت سالكا في بحار هذا العالم الزاهر ، مستخرجا لما اشتمل عليه من اللآلئ والجواهر ، فاشتقت إلى ما كنت عزمت عليه سابقا من نظم اللآلئ في قالب التأليف ، وإظهار الدرر في ميدان التصنيف .
ولمّا كانت المقدّمة الموسومة ب ( الباب الحادي عشر ) من مصنّفات شيخنا العلّامة ومولانا الفهّامة ، ملك التصنيف وقائد أزمّة التأليف ، آية اللّه في العالمين ، ووارث علوم الأنبياء والمرسلين ، جمال الحقّ والملّة والدنيا والدين ، أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر - طهّره اللّه من جميع الأدناس ، كما نفع به جملة من الناس - من جملة الكتب المشتملة على امّهات مسائله ، والحاوية للمهمّات من قاطعات دلائله ، وكانت في نهاية الاختصار ، محتاجة إلى التبيين والإظهار ، لا جرم
هامش
( 1 ) الألوب : الذي يسرع ، وألب الرجل : حام حول الماء . انظر : لسان العرب 1 : 177 - 178 - ألب .
( 2 ) طفق يفعل كذا : جعل يفعل وأخذ . لسان العرب 8 : 174 - طفق .
( 3 ) طوى كشحه عنه : إذا أعرض عنه . لسان العرب 12 : 99 - كشح .