جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيدة قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج
وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا
وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) الآية ، قال : " كان المهاجر لا يتولى
الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابي المهاجر ، فنسختها : ( وأولوا الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) . وروى عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن
القاسم قال : " آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصحابة وآخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن
العوام أخوة يتوارثون بها لأنهم هاجروا وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله آية المواريث " .
قال أبو بكر : اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي
آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم دون الأرحام ، وأن ذلك مراد هذه الآية ، وأن قوله تعالى :
( أولئك بعضهم أولياء بعض ) قد أريد به إيجاب التوارث بينهم ، وأن قوله : ( مالكم من
ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) قد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم ، وفي
هذا دلالة على أن إطلاق لفظ الموالاة يوجب التوارث وإن كان قد يختص به بعضهم دون
جميعهم على حسب وجود الأسباب المؤكدة له ، كما أن النسب سبب يستحق به
الميراث . وإن كان بعض ذوي الأنساب أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه ، وفي هذا
دليل على أن قوله تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) [ الإسراء : 33 ]
موجب لإثبات القود لسائر ورثته وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم
من مستحقي ميراثه . ويدل أيضا على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث ، وأن
قوله صلى الله عليه وسلم : " لا نكاح إلا بولي " مثبت للولاية لجميع من كان من أهل الميراث على حسب
القرب وتأكيد السبب ، وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصغار إذا لم يكن لهم أب على ما
يذهب إليه أبو حنيفة ، إذ كانت من أهل الولاية في الميراث .
وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى أن فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فقال :
" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة
وأثبت التوارث بالأنساب بقوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
الله ) . قال الحسن : " كان المسلمون يتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله
تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فتوارثوا بالأرحام " . وروى الأوزاعي عن
عبدة عن مجاهد عن ابن عمر قال : " انقطعت الهجرة بعد الفتح " . وروى الأوزاعي أيضا
عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة مثله ، وزاد فيه : " ولكن جهاد ونية " . وإنما كانت
الهجرة إلى الله ورسوله والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه وقد أذاع الله الاسلام
وأفشاه ، فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث بالهجرة والمؤاخاة دون الأنساب وقطع
أحكام القرآن — صفحة 97
مساهمون: الجصاص
ص٩٧