الأكل فهذا حكم اللفظ إذا ورد في مثله ، ولولا قيام الدلالة وكون المعنى معقولا من
اللفظ على الوجه الذي ذكرنا لما كانت إباحة الأكل موجبة للتمليك ، ولذلك قال أصحابنا
فيمن أباح لرجل أكل طعامه : إنه ليس له أن يتملكه ولا يأخذه وإنما له الأكل فحسب ،
ولكنه لما كان في مفهوم خطاب الآية التمليك على الوجه الذي ذكرنا أوجب التمليك ،
وقد قال الله تعالى في آية أخرى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) فجعل
الأربعة الأخماس غنيمة لهم ، وذلك يقتضي التمليك ، وكذلك ظاهر قوله تعالى : ( فكلوا
مما غنمتم ) لما أضاف الغنيمة إليهم فقد أفاد تمليكها إياهم بإطلاقه لفظ الغنيمة فيه ، ثم
عطفه الأكل عليها لم ينف ما تضمنه من التمليك كما لو قال : كلوا مما ملكتم ، لم يكن
إطلاق لفظ الأكل مانعا من صحة الملك . ويدل على ذلك دخول " الفاء " عليه ، كأنه قال :
قد ملكتكم ذلك فكلوا .
والغنيمة اسم لما أخذ من أموال المشركين بقتال ، فيكون خمسه لله تعالى وأربعة
أخماسه للغانمين بقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) . وأما
الفيء فهو كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال ، روي هذا الفرق
بينهما عن عطاء بن السائب وعن سفيان الثوري أيضا .
قال أبو بكر : الفيء كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بقتال أو بغير
قتال ، إذ كان سبب أخذه الكفر ، قال أصحابنا : الجزية فيء والخراج وما يأخذه الإمام
من العدو على وجه الهدنة والموادعة فهو فيء أيضا . وقال الله عز وجل : ( ما أفاء الله
على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) [ الحشر : 7 ] الآية ، فقيل : إن هذا فيما لم
يوجف عليه المسلمون مثل فدك وما أخذ من أهل نجران ، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم صرفه في هذه
الوجوه . وقيل : إن هذه كانت في الغنائم فنسخت بقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من
شيء فأن لله خمسه ) . وجائز عندنا أن لا تكون منسوخة وأن تكون آية الغنيمة فيما
أو جف عليه المسلمون بخيل أو ركاب وظهر عليهم بالقتال ، وآية الفيء التي في الحشر
فيما لم يوجف عليه المسلمون وأخذ منهم على وجه الموادعة والهدنة ، كما فعل
النبي صلى الله عليه وسلم بأهل نجران وفدك وسائر ما أخذه منهم بغير قتال ، والله أعلم بالصواب .
باب التوارث بالهجرة
قال الله تعالى : ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله
والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من
ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) الآية . حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا
أحكام القرآن — صفحة 96
مساهمون: الجصاص
ص٩٦